تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وضع جميع تلك البرامج عملًا اعتباطيّاً ، بل كانت لأجل التنفيذ والتطبيق ، وتنظيم الحياة الاجتماعيّة وفقها ، فالقانون مهما كان راقياً وصالحاً ليس بكاف وحده في إصلاح المجتمع وإصلاح شؤونه ، بل لا بدّ من إجرائه ، وتنفيذه في الصعيد العمليّ . إنّ الكتاب والسنّة زاخران بأحكام حقوقيّة ومدنيّة وجزائيّة وسياسيّة كثيرة وواسعة الأطراف والأبعاد وهي غير خافية على كلّ من له أدنى إلمام بهذين المصدرين الإسلاميّين العظيمين . ففيهما الأمر الصريح والأكيد بقطع يد السارق : « فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا » ( المائدة : 38 ) وجلد الزاني والزانية : « الْزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ » ( النور : 2 ) . إلى غير ذلك من القوانين والحدود . ولقد حثّ الشارع الكريم على إجراء هذه الحدود وتنفيذ هذه القوانين ، والتعاليم حثّاً أكيداً لا يترك لمتعلّل عذراً فقد ورد عن الإمام عليّ - عليه السلام - أنّه قال : « سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يقول : لن تقدس امّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقَّه من القوي غير متعتع » « 1 » . وروى ابن أبي الحديد المعتزليّ أنَّه خرج رجل من أهل الشام في وقعة صفين فنادى بين الصفّين : يا عليّ ابرز أليّ ، فخرج إليه عليّ - عليه السلام - فقال : إنّ لك يا عليّ لقدماً في الإسلام والهجرة ، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن دماء المسلمين وتأخّر هذه الحروب حتّى ترى رأيك ؟ فقال - عليه السلام - : « وما هو ؟ » قال : ترجع إلى عراقك فنخلّي بينك وبين العراق ، ونرجع نحن إلى شامنا فتخلّي بيننا وبين الشام ؟ فقال عليّ - عليه السلام - : « قد عرفت ما عرضت إنّ هذه لنصيحة وشفقة ، ولقد أهمَّني هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينه ، فلم أجد إلَّا القتال أو الكفر بما أنزل اللَّه على محمّدصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . إنّ اللَّه تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر فوجدت القتال أهون عليَّ من معالجة في الأغلال في جهنَّم » « 2 » .
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة : الرسالة ( 53 ) . ( 2 ) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 207 - 208 .