وربّما يتوهم أنّها لا تنفع أيضاً إلّا إذا ثبتت مأذونية الغير من قبله سبحانه في الإعانة ، كما يتوقف على ذلك جواز أصل طلب العون ، وإن كان غير شرك .
ولكنه مدفوع ، بأنّ إعطاء القدرة دليل على المأذونية في أعمالها في الجملة ، إذ لا معنى لأن يعطيه اللَّه القدرة ويمنعه عن الأعمال مطلقاً ، أو يعطيه القدرة ويمنع الغير عن طلب أعمالها .
ويكفي في الجواز ، كون الأصل في فعل العباد ، الجواز والإباحة ، دون الحظر والمنع إلّا أن ينطبق على العمل أحد العناوين المحرمة في الشرع .
وأخيراً نذكّر القارئ الكريم بأنّ مؤلّف المنار حيث إنّه لم يتصور للاستعانة بالأرواح إلّا صورة واحدة لذلك اعتبرها ملازمة للشرك ، فقال :
ومن هنا تعلمون : انّ الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أُمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم ، وهلاك أعدائهم ، وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون ، وعن ذكر اللَّه معرضون « 1 » .
ولا يخفى عدم صحته إذ الاستعانة بغير اللَّه ( كالاستعانة بالعوامل الطبيعية ) على نوعين :
أحدهما عين التوحيد والآخر موجب للشرك ، أحدهما مذكر باللَّه والآخر مبعد عن اللَّه .
إنّ حد التوحيد والشرك ليس هو كون الأسباب ظاهرية أو غير ظاهرية إنّما هو الاستقلال وعدم الاستقلال ، هو الغنى والفقر ، هو الأصالة وعدم الأصالة .
هامش
( 1 ) . تفسير المنار : 1 / 59 .