ففي هذه الآية جعل اعتقادهم بإلوهية غير اللَّه هو الملاك للشرك ، والمراد هنا « الشرك في العبادة » .
وبمراجعة هذه الآيات ونظائرها التي تعرضت لموضوع الشرك وبالأخص لموضوع شرك الوثنيين تتجلى هذه الحقيقة - بوضوح تام - أنّ عبادتهم كانت مصحوبة مع الاعتقاد بألوهيتها ، بل يمكن استظهار أن شركهم كان لأجل اعتقادهم بإلوهية معبوداتهم ، ولأجل ذاك الاعتقاد كانوا يعبدونهم ويقدّمون لهم النذور والقرابين وغيرهما من التقاليد والسنن العبادية ، وبما أنّ كلمة التوحيد تهدم عقيدتهم بإلوهية غيره سبحانه ، كانوا يستكبرون عند سماعه كما قال سبحانه :
« إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ » . « 1 » أي يرفضون هذا الكلام لأنّهم يعتقدون بإلوهية معبوداتهم ويعبدونها لأجل أنّها آلهة - حسب تصوّرهم - . ولأجل تلك العقيدة السخيفة كانوا إذا دعي اللَّه وحده كفروا به لأنّهم لا يحصرون الإلوهية به وإذا أشرك به آمنوا ، لانطباقه على فكرتهم كما قال سبحانه :
« ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ » . « 2 » إلى هنا ظهرت الدعوى الأُولى بوضوح وجلاء . وأمّا الدعوى الثانية فتدل عليها الآيات التي تأمر بعبادة اللَّه ، وتنهى عن عبادة غيره ، مدللًا ذلك بأنّه لا إله إلّا اللَّه ، إذ يقول :
« يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرَهُ » . « 3 »
هامش
( 1 ) . الصافات : 35 .
( 2 ) . غافر : 12 .
( 3 ) . الأعراف : 59 .