جانب ، ومن جانب آخر اعتاد على التعامل مع الموجودات المحسوسة فيريد صبَّ كلِّ أمر في قالب المحسوس .
وعلى هذا الأساس يريد المشرك أن يصبَّ القوى الغيبية في صورة الأجسام المشاهدة ، والأشكال المنظورة ، أضف إلى ذلك أنّه لقصور فكره ، أو لتصوّر أنّ كل حادثة في هذا الكون أُنيطت إلى قوّة قاهرة هي أيضاً مخلوقة للَّه كإله البحر ، وإله الحرب ، وإله السلام ، وكأنّ حكومة الكون مثل حكومات الأرض يفوض فيها كل جانب من جوانب الحياة إلى واحد ، وتكون هذه القدرة مختارة فيما تريد ، وفعالة لما تشاء ! !
من أجل هذا عبد سكنة شواطئ البحار إله البحر ، لكي يجود عليهم بنعم البحر ويدفع عنهم آفاته وغوائله ، كالطوفان ؛ فيما عبد سكنة الأراضي والصحارى إله البر ، ليفيض عليهم بمنافعها ، ويدفع عنهم مضارها ، كالزلزال وما شابه ذلك من آفات الأرض ، وغوائل الصحراء .
ولكن حيث إنّهم ما كانوا متمكنين من رؤية هذه الآلهة التي توهموها واخترعوها ، فافترضوا لها صوراً خيالية ، وأشكالًا وهمية ، ونحتوا على غرارها تماثيل وأصناماً ، وراحوا يعبدون هذه الأصنام المصنوعة بدلًا عن عبادة القوى الغيبية نفسها التي تمثلها هذه الأصنام - كما في زعمهم - .
لهذا السبب كان بين عرب الجاهلية فريق يعبد الملائكة ، وفريق آخر يعبد الجن ، وثالث يعبد الكواكب الثابتة كالشعرى ، ورابع يعبد الكواكب السيارة ، وكان الهدف من عبادتها - جميعاً - هو جلب خيرها ونفعها ، واجتناب ضررها وشرورها .
ولقد كانوا يتمتعون - في صنع التماثيل والأصنام - بسعة نظر خاصة ، فهم لم
مفاهيم القرآن — صفحة 436
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٣٦