فالكيان المعقّد والعجيب لكل واحد من هذه الموجودات ، والمليء بالأسرار كما يشهد بصدق وجلاء على صانع لها ، كذلك يشهد - بلسان التكوين - على خالق واحد ، عالم وقدير وحكيم ، وعلى الجملة على « علم » ذلك الصانع و « حكمته » و « قدرته » وخلوّه عن أينوع من الجهل والعجز والعي ، بل يكفي في التسبيح دلالتها على صفاته الكمالية فقط ، الملازم لدفع الصفات السلبية ولا يجب أن يكون بصورة سلب النقائص ابتداء .
ففي مجال تنزيه اللَّه عن « الشريك » مثلًا ، تأتي شهادة هذه الموجودات على النحو الآتي :
إنّ النظام الواحد الذي يسود في الذرة والمجرّة على السواء يشهد بأنّ الكون بأسره وجد بإرادة خالق وصنع صانع واحد دون أن تكون لأيخالق آخر مشاركة في هذا الخلق والصنع ، وأنّ وحدة النظام دليل على وحدة المنظم وعدم الشريك له سبحانه .
وكذا إنّ سيادة نظام موحد على مجموع أجزاء الكون كما تفيد أنّ ثمة « منظماً واحداً » يحكم هذا العالم ، كذلك تكشف الأسرار الدقيقة ، والتقدير المتقن عن « علم » صانعها و « حكمته » و « قدرته » الملازم لتنزّهه عن الجهل واللعب والعجز « 1 » ، وقد مر أنّه يكفي في التسبيح دلالة الشيء على كمال المؤثر الملازم
هامش
( 1 ) . هذا مضافاً إلى أنّ هذه النظرية تفصيل لما أجمل في النظرية الأُولى ، فإنّ القائل بالنظرية الأُولى أجمل القول واكتفى بالقولبأنّ كل موجود حادث يدل على وجود محدثه ، لكن القائل بالنظرية الثالثة بسط الكلام وأفاد بأنّ وجود كل حادث كما يدل بحدوثه على وجود محدثه ، كذلك يدل بصفاته ( أعني : النظام السائد فيه ) على صفات موجده من العلم والقدرة والحكمة ، وخلوّه عن العجز والجهل والعبث .
ولأجل هذا قلنا إنّ النظرية الثالثة تفصيل لما جاء في الأُولى .