أمّا أنّها لا يمكن أن تكون عن طريق الوراثة ، فلأنّ المعلومات لا يمكن أن تنتقل من أحد إلى أحد من هذا الطريق ، وإلّا لكان ابن الطبيب طبيباً بالوراثة ، ولكان ابن العالم عالماً بالوراثة حتماً دون أن يتلقّى العلم أو الطب من أحد .
وأمّا أنّ هذه الحيوانات لا تفعل ما تفعل بتأثير الغريزة فقط ، فلأنّ الغريزة لا يمكن أن تخضع للانتخاب والاختيار ، بينما نجد كثيراً من هذه الحيوانات عندما تواجه مفترق طرق متعدّدة تختار إحداها بفعل ما تتلقّاه من الهداية والتوجيه ، وهذه الهداية التي تعين الحيوانات على الانتخاب والاختيار هو ما يسمّى في منطق القرآن بالوحي أو ما سمّاه بعض العلماء ب « الإلهام » « 1 » .
ونمثّل لهذا الأمر بما جاء حول النحل في القرآن الكريم ، إذ يقول :
« وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ » . « 2 » فحشرة النحل الصانعة لألذ الأشياء وأطيبها ، نعني : العسل ، تبدأ عملها منذ أن تخرج من البيض دون تعب وملل ، وفي ذكاء مفرط ، وانضباطية فائقة . فتختار - في ذكاء - أفضل وأطيب الزهور وتمتص عصارتها بنحو عجيب ، وتصنع للبشر شهداً من أطيب الشهد . وتصنع بيوتها سداسية الشكل في نظم لا يخطئ ، وعلى فواصل دقيقة لا تزيد ولا تنقص .
هامش
( 1 ) . راجع كتاب العلم يدعو للإيمان : 116 .
( 2 ) . النحل : 68 - 69 .