يكشف عن تعدّد أبعاد مفاهيم القرآن وكثرتها ، بحيث يصلح كل بعد منها لفريق من الناس المختلفي المدارك .
وإليك التفسيرات المتعددة المتنوّعة لهذا الاستدلال :
ألف . لمّا كان الهدف من اتخاذ الرب هو أن يبلغ الموجود الضعيف في ظل اتصاله بالقدرة الربانية إلى الكمال المطلوب ، لذلك ينبغي ( بل ويتحتم ) أن يكون هذا الرب والمربي قريباً من مربوبيه بحيث يكون عالماً بأحوالهم مطّلعاً على احتياجاتهم ، ولا يكون بعيداً عنهم ، مفارقاً لهم ، غير حاضر لديهم ولا شاهداً لأوضاعهم .
أمّا ذلك الموجود الذي يكون بعيداً عن مربوبيه ، ساعة أو ساعات ، ويكون نائياً عنهم بالمرة بحيث يحجب عنهم أنواره ، وبركاته ، فكيف يصلح أن يكون مربياً لتلك الموجودات المربوبة ورباً للكائنات الأرضية ؟ !
من أجل هذا كان أُفول هذه الكواكب ، وغيبتها علامة على غربتها عن الكائنات الأرضية وانقطاع الصلة بينها وبين هذه الموجودات ، وشاهداً على أنّ لهذه الكائنات مدبّراً غير هذه الكواكب . . مدبّراً عارياً عن أينقص منزّهاً عن أيعيب .
ب . انّ طلوع وغروب الأجرام السماوية وحركتها المنتظمة في مدارات لا تتغير لدليل قاطع على أنّها خاضعة لموجود آخر فوقها ، وأنها مسخَّرة لقدرة عليا سخَّرها لإرادته ، وجعلها محكومة لقوانين خاصة تابعة لمشيئته .
ومن المعلوم أنّ المسخَّر لا يمكن أن يكون مدبّراً مطلقاً ، وأنّ الخضوع لقوانين منتظمة آية ضعف هذه الكواكب ، وعلامة واضحة على أنّها لا يمكن أن
مفاهيم القرآن — صفحة 146
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٤٦