يسوؤهم ، كما أخبر عنهم بقوله :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
« 1 » فقدم ذكرهن ؛ تنبيها على أنه قادر ، ولما يشاء فاعل ، وأن إرادتهم لا تأثير لها ، ثم لما أخر الذكور ومن حقهم التقديم ، تدارك أمرهم بجبر نقصهم ، فعرفهم ؛ لأن التعريف أفضل من التنكير ؛ تنبيها على أن تقديم الإناث للعارض المذكور ، لا لاستحقاقهن التقديم ، فلما رجح المرجوح من جهة جبر الراجح من جهة ، ثم أعطى بعد ذلك كل ذي حق حقه لزوال المانع بقوله :
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً
« 2 » ثم قد علمت أنه في هذه الآية قدم ذكر السماوات على الأرض ؛ لأن ملك السماء أعظم ؛ فتقديمه أدل على العظمة والقدرة والملكة .
وكذلك قدمها في سورة سبأ في قوله :
عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
« 3 » لأن معلومات السماء أدق وأكثر ، وهو أبلغ في الدلالة على كمال العلم .
وقال في يونس :
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ، وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
« 4 » ، فقدم الأرض ؛ لأنه صدر الآية بذكر أهل الأرض ، ومن أمعن النظر ، وجد لكل تقديم وتأخير في القرآن مقتضيا مناسبا ، ولابن الدهان « 5 » في ذلك كتاب كبير حسن ، وفيما ذكرناه تنبيه على ما أهملناه .
النوع الثالث عشر : في التخلص والاقتضاب
أما التخلص : فهو الانفصال من شيء إلى غيره ، والمراد به هنا ، خروج المتكلم من
هامش
( 1 ) سورة النحل الآية 58 .
( 2 ) سورة الشورى الآية 50 .
( 3 ) سورة سبأ الآية 3 .
( 4 ) سورة يونس الآية 61 .
( 5 ) هو محمد بن علي عمر المازني الدهان ، كان يعمل في صناعة الدهان وينظم الشعر الرقيق ويلحنه ، توفي 721 ه . فوات الوفيات لا بن شاكر 2 / 249 .