وإنّما كان حديث كل منهما بصدد البيان لما يستحضره في ذهنه عند ذكر ما أودعه كتابه ، وكلاهما يستحضر العدد الذي ذكر ، لأنّه مقدار الأحاديث التي تمثّلها بذهنه ، وجعلها نصب عينيه ليختار منها مادة الكتاب ، بل هو مقدار الأحاديث الصحيحة التي انتقى منها هذه المادة ، فضلا عما عداه من غير الصحيح ، ويؤكد هذا
[ إخراج روايات البخاري من نحو ستمائة ألف حديث ]
ما روى عنه من وجهين ثابتين أنّه قال عن كتابه الجامع الصحيح :
« أخرجت هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث ، وصنّفته في ست عشرة سنة ، وجعلته حجّة فيما بيني وبين اللّه » ( طبقات الشافعية 2 - 221 ) .
فهذه الستمائة ألف فيها الصحيح وغيره ، فترك غير الصحيح كله ، لأنّه لا يرضى لكتاب من كتبه أن يتضمن شيئا منه ، ثمّ ترك من الصحيح كثيرا حتّى لا يطول الكتاب ، وهو يصرّح بذلك فيما ينقله الرواة عنه ، فيروى الإسماعيلي أنّه قال : « لم أخرج في هذا الكتاب إلّا صحيحا ، وما تركت من الصحيح أكثر » ( هدى الساري 1 - 4 ) .
ويقول إبراهيم بن معقل النسفيّ : سمعت البخاري يقول :
« ما أدخلت في كتابي الجامع إلّا ما صح ، وتركت من الصحيح حتى لا يطول » ( هدى الساري 1 - 4 ) .
وهذه الستمائة ألف أيضا ، لا تنافى بينها وبين المائتي ألف التي كان كأنّه ينظر إليها من كتابه ، فالأولى كانت معه وهو يؤلف الكتاب ، وفيها صحاح وغير صحاح ، والثانية هي الصحاح . .
الصحاح فحسب ، وهي التي انتقى منها أحاديث هذا الكتاب .