وما ذا أفاد البخاري من هذه المشيخة الضخمة ؟
لقد فتحت له في المعرفة آفاقا جديدة ذهب إلى أبعد غاياتها ، فاستزاد على ثروته السابقة من الحفظ أضعافا كثيرة ، واستضاف إلى حظه من فقه الحديث وعلومه ما يضاهى هذه الزيادة الكبيرة .
أما جانب الرواية والحفظ فقد استجدّ له بهؤلاء الشيوخ روافد لا تحصى ، وجاءه من كل شيخ جديد نبع جديد ، وما زالت هذه الروافد تمده بالفيض الزاخر من حديث الرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - وما زالت أمدادها تتوالى على ذهنه الواعي ، وتنتعش في ذاكرته الحافظة ، إلى أن جمع من ذلك نصيبا موفورا لم يظفر بمثله أحد ، حتى ليصير الحساب بالألوف فيما يحفظ من أحاديث الباب الواحد ، ويصبح ما يقال في تقدير روايته مثارا للدهشه والعجب .
وفيما يروى عنه أنّه قال :
« لو قيل لي « تمنّ » لما قمت حتّى أروى عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصّة » ( هدى الساري 2 - 201 ) .
وهذا مقدار ما يحمله في باب الصلاة وحدها ، فما عسى أن تكون جملة حفظه إذا انضم إليه ما يحفظه في سائر الأبواب ؟ .
ويقول ورّاقة محمّد بن أبي حاتم : سمعته يقول :
« ما نمت البارحة حتّى عددت كم أدخلت في تصانيفى من الحديث ، فإذا هو نحو مائتي ألف حديث » ( هدى الساري 2 - 201 ) .
والذي يفهم من هذا أنّه يحفظ هذا القدر ، وإلّا ما استطاع أن يستحضره في ذهنه ، وأن يحصره بالعد قبل أن ينام ، ولا يفهم
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر ) — صفحة تصدير 38
مساهمون: البخاري
صتصدير ٣٨