منه أنّه لا يحفظ غيره ، لأن المؤلّف لا يحشد في تصانيفه جميع ما يحفظ ، بل ينتقى منه ما يناسبها ، ويؤثرها بما انتقى لها ، ثمّ يترك غيره ، وما أكثر ما يترك .
ويقول عليّ بن الحسن بن عاصم البيكندى : قدم علينا محمّد بن إسماعيل ، فقال له رجل من أصحابنا : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : « كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي » .
فقال له محمّد بن إسماعيل : « أو تعجب من هذا القول ؟ لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مائتي ألف حديث من كتابه » .
قال الراوي : وإنّما عنى نفسه ( هدى الساري 2 - 201 ) .
ومقصد كل من الإمامين أنّه متمكن من حفظ القدر الذي يحدده ، وكأنّه لقوة ما يحفظه مكتوب أمامه في لوح يجمع أقطاره في محيط بصره ، فهو لذلك دائم المثول والارتسام في ذهنه ، ويستطيع استحضاره مجتمعا متى شاء .
وقد يتوهّم أن ما ذكره واحد منهما ادعاء أو مبالغة ، وذلك إذا قارناه بحقيقة العدد الذي تضمنه كتابه ، فالبخاري - مثلا - يقول : إنّه ينظر من كتابه إلى مائتي ألف حديث ، مع أن محتويات الكتاب - الجامع الصحيح - أقل من ذلك بكثير .
والواقع أنّه لا تعارض إلّا في الظاهر ، فما أراد أحد الشيخين بعبارته إحصاء ما أودع كتابه من الأحاديث ، ولا قصد أن يحدّد عددها بسبعين ألفا أو مائتي ألف .
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر ) — صفحة تصدير 39
مساهمون: البخاري
صتصدير ٣٩