أياما ، ثمّ وجدناه في بيت وهو عريان ، وقد نفد ما عنده ، فجمعنا له الدراهم ، وكسوناه » . ( طبقات الشافعية 2 - 217 ) .
فهل يعقل لصبي يستفتح العقد الثاني من عمره - وهذه صفاته وطباعه - أن يجازف بالرحلة والاغتراب ، دون أن يتعرض للفشل أو الضياع ؟ .
إنها عناية اللّه التي أخرت رحلة البخاري إلى أن قوى واستحصد ، واختارت لبدئها من عمره سنا تحتملها في أمان من الضياع ، ولا ضير بعد هذا في أن يفوته الإسناد العالي لبعض مروياته ، وأن يرويها أنزل طبقة من رواية غيره لها ، لا ضير في ذلك ما دام ملتزما بشروطه في صحيحه وأخصّها أن يثبت عنده لقاء كل واحد من الطبقة النازلة لمن يروى عنه من الطبقة العالية .
هذا إلى أن المدة التي قضاها طالب علم في بلده لم تذهب سدى ، ولا كانت قليلة الثمرة ، فقد عوضته عما فاته بتأخر الرحيل أنها كوّنته تكوينا كاملا ، فاستقبل سياحته العلمية وهو ممتلئ الصّدر بذخر فياض من رواية الحديث ، مكتمل الوعي بأحوال متنه وسنده ، مستيقظ الذهن في فهم عالمه ، وهذه مكاسب قيمة ، لو لم يحصلها قبل الرحيل لتعوّق ظهوره بين علماء الأمصار ، وربما اقتضاه تعويضها في غربته أضعاف ما اقتضته من الزمن في بلده ، ولكنه اكتسبها بهذا الزمن الوجيز قبل أن يرحل ، واكتسب بسببها ثقة وثيقة بنفسه ، وسلاحا يصول به ويجول ، ويقارع فينتصر على الفحول .
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر ) — صفحة تصدير 28
مساهمون: البخاري
صتصدير ٢٨