فإن قلت : يلزم هذا الوجوب العينى و أنت لم تقل به .
قلنا : إنا قد قلنا إذا لم يعرض لها عارض ، و هنا قد عرض لها عارض و هو وجوب التقيّة و وجود الأخبار عن الائمة عليهم السّلام الَّتى دلَّت على الوجوب التخييرى ، فهذان المانعان من الغيبة ؛ و الأدلَّة الَّتى دلَّت على المعيّنة ليست صريحة فى هذا بل يمكن حملها على كلّ واحد من الفردين .
الثانى : إذا تعارضت أدلَّة الحرمة و الوجوب فينبغى الأخذ بما فيه الإحتياط ، و الإحتياط هنا العمل بالوجوب التخييرى لئلا يلزم تعطيل حكم من أحكام اللَّه تعالى بالكليّة حتى يظهر صاحب الحكم عليه السّلام .
الثالث : القول بالحرمة يلزم التعدّى عن حكم من أحكام الله تعالى ، لأنّ هذه العبادة قد وضعها الله تعالى لاجتماع الناس فى يوم الجمعة ، و هذا حدّ من حدوده ؛ الله تعالى يقول :
* ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * « 1 » فلا يجوز التعدّى عنه بالكليّة .
خاتمة
و أمّا القول بالوجوب العينى ، فهو مخالف للأخبار الَّتى قد سلفت ، و الإجماع الَّذى ادّعاه أكثر العلماء من السّلف و الخلف فى أنّ الصلاة الجمعة فى زمن الغيبة وجوبا تخييرا لا عينيّا ، و هو حجّة . فأمّا عند العامّة فمشهور حجّيته ، بل يوجبوا الحدّ أو القتل على مخالفه ؛ و أمّا عندنا فلقوله عليه السّلام فى موثّقة عمر بن حنظلة فى آخر الحديث « فخذ بما عليه أكثر أصحابك » إلى آخر الرواية ؛ « 2 » و أيضا إذا لم يكن الإجماع حجّة لزم الحرج و الضيق على المكلَّفين ، و أنّ شريعتكم هذه السمحة السهلة ، فكيف يجوز شرعا مخالفة الإجماع ، و الحال أنّه حكم و حدّ من حدود الله ؛ و يدلّ على حجّيته أيضا قوله تعالى * ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) * « 3 » و أقلّ الطائفة ثلاثة ، فإنّهم إذا تفقّهوا فى الدين كان قولهم حجّة على الباقين من المكلَّفين لقوله تعالى * ( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) * ؛ فالمطلوب من تفقّههم أنّهم إذا نذروهم و علَّموهم المسائل ، يجب عليهم الأخذ و العمل بما قالوا لهم ، فظهر أنّ القول بالوجوب العينى فى زمن الغيبة محض قول بالتشهّر و حبّا للرياسة و تعدّى حدود الله ؛ و هذا ظاهر البطلان ، فلا يجوز القول به .
فإن قلت : إنّ الشيخ زين الدين [ الشهيد الثانى ] من المتأخّرين - قدّس سرّه - قال بهذا القول ؛
هامش
« 1 » بقره ، 229
« 2 » الكافى ، ج 1 ، ص 67 ؛ التهذيب ، ج 6 ، ص 218
« 3 » توبه ، 122