ختم و نصيحة
اذا اعتبرت ما ذكرناه من الأدلَّة على هذه الفريضة المعظَّمة ، و ما ورد من الحثّ عليها فى غير ما ذكرناه مضافا إليه ، و ما أعدّه اللَّه من الثواب الجزيل عليها ، و على ما يتبعها و يتعلَّق بها يوم الجمعة من الوظائف و الطاعات - و هى نحو مائة وظيفة « 1 » قد أفردنا عيونها فى رسالة مفردة ذكرنا فيها خصوصيّات يوم الجمعة « 2 » - و نظرت « 3 » إلى شرف هذا اليوم المذخور لهذه الأمّة ، « 4 » كما جعل [ اللَّه ] لكلّ أمّة يوما يفزعون فيه إليه و يجتمعون على طاعته ، و اعتبرت الحكمة الإلهيّة الباعثة على الأمر بهذا الاجتماع ، و إيجاب الخطبة المشتملة على الموعظة و تذكير الخلق باللَّه تعالى و أمرهم بطاعته و زجرهم عن معصيته و تزهيدهم فى هذه الدنيا الفانية و ترغيبهم فى الدار الآخرة الباقية المشتملة على ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لاخطر على قلب بشر ، « 5 » و حثّهم على التخلَّق بالأخلاق الجميلة و اجتناب السمات الرذيلة ، و غير ذلك من المقاصد الجليلة ، كما يطَّلع عليها من طالع الخطب المرويّة عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام و غيرهما من الأئمّة الراشدين و العلماء الصالحين ، علمت « 6 » حينئذ أنّ هذ المقصد العظيم و المطلب الجليل لا يليق من الحكيم إبطاله و لا يحسن من العاقل إهماله ، بل ينبغى بذل الهمّة فيه ، و صرف الحيلة إلى فعله ، و بذل الجهد فى تحصيل شرائطه و رفع موانعه ، ليفوز بهذه الفضيلة الكاملة ، و يجوز هذه المثوبة الفاضلة .
و قد روى - مضافا إلى ما سبق - عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله أنّه قال : « من أتى الجمعة إيمانا و احتسابا استأنف العمل » . « 7 » و عن أبى عبد اللَّه عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام قال : جاء أعرابى إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله يقال له : قليب . فقال :
يا رسول اللَّه إنّي تهيّأت إلى الحجّ كذا و كذا مرّة فما قدّر لى ، فقال له : « يا قليب ، عليك
هامش
« 1 » ذكرها السيوطى فى رسالته خصائص يوم الجمعة .
« 2 » عنوان هذه الرسالة خصائص يوم الجمعة .
« 3 » معطوف على قوله إذا اعتبرت قبل عدّة أسطر .
« 4 » إشارة إلى الخصوصية الرابعة و الخمسون التى ذكرها السيوطى فى خصائص يوم الجمعة ، ص 55 بقوله : أنّه المؤخّرة لهذه الأمّة ، و روى فى ذلك حديثين .
« 5 » إشارة إلى ما روى عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله في صحيح البخاري ، ج 3 ، ص 1185 ، ح 3072 ، باب ما جاء في صفة الجنّة و أنّها مخلوقة ، من أنّه قال : قال اللَّه تعالى : أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ، و لا خطر على قلب بشر
« 6 » جواب لقوله إذا اعتبرت و نظرت .
« 7 » الفقيه ، ج 1 ، ص 274 ، ح 1259 ، باب وجوب الجمعة و فضلها و ، ح 43