وأما أبو حنيفة فكان ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه ، لا يجاوزهم إلا نادرا ، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه ، دقيق النظر في وجوه التخريجات ، مقبلا على الفروع أتم إقبال . وقد عمل أناس كثيرون في تصانيفه وتصانيف تمليذيه : أبي يوسف ومحمد بن الحسن تلخيصا وتقريبا أو شرحا ، أو تأسيسا واستدلالا ، وقد انتشر مذهبه في خراسان وفي مناطق كثيرة من أرض اللّه الواسعة .
وقد نشأ الشافعي في أوائل ظهور هذين المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما ، فنظر في صنيع الأوائل فوجد فيه أمورا كفته عن المسير في طريق هذين الإمامين المشهورين ، وقد ذكر في أوائل كتابه الأم : أمورا منها :
أ - وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع ، وكم من مرسل لا أصل له ، فيدخل الخلل في الأحكام لذلك .
ب - لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات واضحة ومقعّدة ، فكان رحمه اللّه أول من وضع القواعد لهذا العلم .
ج - إن كثيرا من الأحاديث الصحيحة لم تكن بلغت علماء التابعين الذين تربعوا على عرش الفتوى ، ولذا فقد اجتهدوا بآرائهم ، واتبعوا العمومات ، واقتدوا بمن مضى من الصحابة ، وعندما ظهرت الطبقة الثالثة تركوها ظنا منهم أنها تخالف عمل أهل مدينتهم ، وسنتهم التي لا اختلاف لهم فيها ، وهذا قادح في الحديث وعلة مسقطة له .
وقد تأخر ظهور قسم من هذه الأحاديث إلى أن أمعن أهل الحديث في جمع طرقه ، ورحلوا إلى أقطار الأرض بحثا عن حملة العلم ليحملوه عنهم ، فكثرت عندهم الأحاديث التي لم يروها إلا صحابي واحد ، أو اثنان ،
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 80
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص٨٠