الصحابة ، فإن قالوا بنسخ بعضها ، أو بصرفه عن ظاهره ، أو لم يصرحوا بذلك ولكن اتفقوا على تركه وعدم القول بموجبه ، فإنه كإبداء علة فيه ، أو الحكم بنسخه أو تأويله ، اتبعوهم في كل ذلك .
وإذا اختلفت مذاهب الصحابة في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه ، لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من السقيم ، وأوعى للأصول المناسبة لها ، وذلك لأن قلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم في العلم .
وإذا اتفق أهل بلد على شيء ، عضوا عليه بالنواجذ ، وإن اختلفوا ، أخذوا بأقوى الأدلة وأرجحها إما لكثرة القائلين به ، أو لموافقة قياس قوي ، أو تخريج من الكتاب والسنة .
وإذا لم يجدوا جوابا للمسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء .
وألهم اللّه هذه الطبقة التدوين ، فدون الأئمة ما حفظوا ، وكلهم ينهج النهج السابق .
ولما أراد المنصور - أو الرشيد - حمل الناس على موطأ مالك ، قال له هذا الإمام : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل هذا ، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ، فدع الناس وما أختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم .
وكان مالك - رحمه اللّه - أثبتهم في حديث المدنيين ، وأوثقهم إسنادا وأعلمهم بقضايا عمر ، وبأقاويل عبد اللّه بن عمر ، وعائشة ، وأصحابهم من الفقهاء السبعة . ولما وسد الأمر إليه أفتى وأجاد ، وانتشر فقهه إلى المغرب ونواحي الأرض فنفع اللّه بعلمه كثيرا من خلقه .
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 79
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص٧٩