ذلك الجيل استقى إذا من ذلك النبع وحده ، فكان له ذلك الشأن الفريد .
ثم ما الذي حدث ؟ .
اختلطت الينابيع : صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم ، وأساطير الفرس وتصوراتهم ، وإسرائيليات اليهود ، ولاهوت النصارى ، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات ، واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم ، وعلم الكلام - كذا قال رحمه اللّه - كما اختلط بالفقه والأصول أيضا ، وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل » .
« إنهم في الجيل الأول لم يكونوا يقرءون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع ، ولا بقصد التذوق والمتاع ، لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة ، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولا يملأ به جعبته ، إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر اللّه تعالى في خاصة شأنه ، وشأن الجماعة التي يعيش فيها ، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته ، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه ، كما يتلقى الجندي في الميدان ( الأمر اليومي ) ليعمل به فور تلقيه ، ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة ، لأنه كان يحسّ أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه ، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه .
هذا الشعور ، شعور التلقي للتنفيذ ، كان يفتح لهم من القرآن آفاقا من المتاع ، وآفاقا من المعرفة لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع . وكان ييسير لهم العمل ، ويخفف عنهم ثقل
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 64
مساهمون: عبد الله بن الرحمن الدارمي
ص٦٤