اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين » « 1 » .
هذه الخطبة من جلائل الخطب وأعلاها سندا ، فلا مغمز في صحّة إسنادها ، إنّما الكلام في فحوى المراد منها .
وقد أجمع شرّاح النهج « 2 » على أنّ المراد بهذا الكلام هي الصفات العليا التي وصف اللّه بها نفسه ، لا يعرف كنهها ولا جهة اتّصاف الذات المقدّسة بها ، كما لا يعرف كنه الذات ولا طريق إلى معرفته ، وبالأحرى لا طريق إلى معرفة الصفات .
وفي كلامه عليه السّلام إشارة إلى ذلك ، حيث قال : « فما دلّك القرآن من صفته فائتمّ به ، وما كلّفك الشيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فخرضه ولا في سنّة النبي صلّى اللّه عليه واله وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى اللّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك » .
ومن ثمّ قالوا : الصفات توقيفيّة ، لا يجوز وصفه تعالى بصفة إلّا ما وصف اللّه به نفسه ؛ إذ من وظيفة المؤمن أن يقف عند ذلك ولا يتجاوزه ، فقولنا : سميع بصير ، حيّ قيّوم ، رحمان رحيم ، حكيم عليم . . إلى آخره ، متابعة مع نصّ الوحي من غير أن نتكلّف الولوج في معرفة كنه هذه الصفات المنسوبة إلى اللّه تعالى ، أو الأخذ بالقياس على صفات المخلوقين ، إذ ليس كمثله شيء ، وإنّما غاية معرفتنا بهذه الصفات هو الأصل القائل : ( خذ الغايات ودع المبادئ ) .
إنّه تعالى يسمع نجواكم ، أمّا كيف يسمع ؟ فهذا ما لا يمكننا تصوّره ، فكيف بتعقّله !
اذن فلا مساس لقوله عليه السّلام لجانب متشابهات الآيات فيما عدا الصفات ، والتي لا ينبغي الجهل بها لذوي العلم والفقه في الدين .
قال ابن أبي الحديد : « إنّ من الناس من وقف على قوله :
إِلَّا اللَّهُ
، ومنهم من
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : خطبة الأشباح الرقم 91 ، بحار الأنوار 4 : 277 .
( 2 ) . راجع : منهاج البراعة للراوندي 1 : 382 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 404 ، شرح نهج البلاغة لابن ميثم 2 : 330 ، المنهاج للخوئي 6 : 310 .