فتزوجت من داود - برغبتها - لجلالته . فاغتم لذلك أورياء غمّا شديدا ، فعاتب اللّه داود على ذلك ، حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها الأول ، وقد كان عنده تسع وتسعون امرأة . ولذلك قال النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم :
« لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه »
وقيل : إنه طلب من زوجها أورياء أن يتنازل له عنها ، وقد كان هذا في شريعتهم ، ومستساغا عندهم .
وقال القاضي عياض : « إنما أوخذ داود - في هذه القضية ، لأنه حكم بمجرد سماعه لكلام أحد الخصمين ، وكان عليه أن يسمع كلام الخصم الآخر . « 1 » وقد قيل : إذا جاءك أحد الخصمين وقد فقئت عينه ، فلا تحكم له لجواز أن يكون خصمه فقد فقئت عيناه .
فالقضية - كما عرضها أحد الخصمين تحمل ظلما صارخا مثيرا ، لا يحتمل التأويل ، ومن ثمّ اندفع داود يقضى على إثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة ، ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثا . ولم يطلب إليه بيانا ، ولم يسمع له حجة ، ولكنه مضى يحكم بقوله
لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ
إلى آخر الآيات . فعاتبه اللّه على ذلك ، ونبّهه إلى ضرورة تثبت القاضي من حكمه ، وسماعه للخصم الآخر .
وفي ذلك يقول الأستاذ محمد أبو زهرة : « 2 »
يبين اللّه سبحانه وتعالى ، بطريق القصص القرآني - لأنه من تصريف البيان - أن مقياس الحكم العادل إدراك الحق ، وألا يجعل القاضي ، أو الحاكم للهوى سلطانا في الحكم ، فإن كان الهوى ، كان الشطط في الحكم ، ومظنة
هامش
( 1 ) الشفا 2 / 158
( 2 ) المعجزة الكبرى ص 211