تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
- وقوله
إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين ، فذكر أنه غفور رحيم ، كقوله جل جلاله
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
[ الأعراف : 167 ] - وقوله :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ
أي السفينة سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق الأرض ، حتى طغت على رؤوس الجبال ، وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعا ، وقيل : بثمانين ذراعا . وهذه السفينة جارية على وجه الماء ، سائرة بإذن اللّه وتحت كنفه وعنايته ، وحراسته ورعايته ، كما قال سبحانه :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ . لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[ الحاقة : 11 ، 12 ] وقال تعالى :
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ . وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
[ القمر : 13 - 15 ] . فهذا تصوير للسفينة ، وقد سارت وسط المياه . . إنه تصوير إلهي ، فهي تجرى بهم ، وتسير بسرعة دافقة ، وسط أمواج كالجبال الشاهقة ، في ارتفاعها وعظم حجمها . * ولا تتم قصة الصراع المرير ، بين الإيمان والكفر على عهد نوح ، بغير جانبها الإنسانى والعاطفى . لتؤكد أن الإيمان لا يعرف الفروق بين إنسان وإنسان ، وأن العقاب الذي قد يحل بالذين يقفون في وجه الإيمان ، لا يعرف العاطفة ولا المحسوبية ، بل هو العدل الإلهى ، يتجلى في صورته الكاملة ، فلا يجامل حتى عاطفة الذين بعثهم اللّه لينهضوا بمسئولية الدعوة إلى الإيمان . وكانت تتمة قصة نوح مع قومه - هي مأساة ابنه ، الذي انحاز إلى القوم الكافرين ، فلم تدفع به الهداية ، ولا حتى مجرد الطاعة للأب ، أو العاطفة البنوية ، ليكون مع والده ضد أعدائه من بنى قومه .
دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى — صفحة 196 | أحمد جمال العمري