تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
الإنسانية لاعتداء المعتدين المفسدين ، ومن أحياها بالقصاص من القاتل ، فكأنما أحيا الناس جميعا ، كما قال تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] ، وإن هذا يدل على أن شرعية القصاص شريعة أزلية خالدة باقية ، وأنها كانت في الشرائع السابقة ، ولم تخل شريعة من شرائع النبيين الكرام منها ، ولقد ذكرت بحكمتها ونتيجتها ، وهي إحياء للأمة ، وإهمالها إهانة لها « 1 » ولا شك أن ذلك تصريف بيانى قرآني في بيان الأحكام .
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا ، أَوْ يُصَلَّبُوا ، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ المائدة : 33 ] أي لا جزاء للذين يحاربون اللّه ورسوله ، ويسعون في الأرض فسادا إلا ما ذكره اللّه من التقتيل ، أو الصّلب ، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف ، أو النفي من الأرض . وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في ناس من عكل وعرينة - كما أشرنا آنفا - قدموا إلى النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتكلموا بالإسلام ، فأكرمهم رسول اللّه ، وقدّم لهم إبل الصدقة . . حتى إذا كانوا ناحية الحرّة ، كفروا بعد إسلامهم ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل . إلّا أن الظاهر من الآية أنها عامة ، لكل من يفعل هذا العمل الشنيع في دار الإسلام سواء كان مسلما أو غير مسلم . واللّه - عز شأنه - أنزل هذه الآية بهذا التشديد في العقاب ، لسدّ ذريعة هذه المفسدة ، وهي العبث بالأمن بين ربوع الدولة ، واضطراب الناس فيها ، ومع هذا حرّم المثلة وتشويه الأعضاء .
هامش
( 1 ) الشيخ محمد أبو زهرة : المعجزة الكبرى ص 214 طبع دار الفكر العربي .