تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وهذا المنهج لا يجعل الإنسان يعمل لدنياه ويهمل أخرته ، أو يعمل للآخرة ويهمل الدنيا ، كما هو شأن غيره من المناهج التي تغلب عليها النزعة المادية أو الروحية ، بل يجعله يعمل للدارين ويسعد فيهما ، لأن الآخرة امتداد للدنيا ، وما الموت إلا نقله من هذه الدار إلى تلك . وعلى الإنسان أن يبتغي الدار الآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا . ومن قصر اهتمامه على الدنيا كان فيها شقيا ، لا يدري كيف يقضي حياته ، يجري وراء السعادة وهي تفر منه ، والموت ينتظره حتى يبغته ، وهو لاهث منهوك القوى ، فيخسر الخسران المبين ، ومن عزف عن الدنيا وأهمل حظه منها ، فإنه يعجز عن حمل الزاد الذي يلزمه للدار الآخرة ، ولا يتمكن من الارتقاء إلى الدرجات العلى ، قال اللّه تعالى :
« وَابْتَغِ 17
فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ 18 الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ » . 19 ولقد أباح اللّه الطيبات للمؤمنين ، ونهاهم عن تحريمها والعزوف عنها :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ » .
20 وأنكر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على النفر الذين أراد أحدهم أن يصوم الدهر ولا يفطر ، والثاني أن يصلي الليل أبدا ولا ينام ، والثالث أن يعتزل النساء ولا يتزوج أبدا ، ظانين أنهم بذلك يصبحون أكثر عبادة وأقرب إلى اللّه تعالى . وقال لهم : « أما واللّه إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنني فليس مني » . 21 وبذلك يكون هذا المنهج ملائما للفطرة ، وملبيا لحاجات الإنسان المختلفة . أما المناهج الأخرى ، فكثيرا ما تتصادم مع الفطرة ، وتترك آثارا سيئة على النفس . مثل ذلك ما كان عليه الرهبان ، إذ كانت فضيلة الراهب تقاس بمهارته في ابتكار طرق جديدة وغريبة للتقشف ، وذلك عن طريق تعذيب الجسد بالجوع ، أو التغذية بغذاء غير مناسب ، وعدم النوم بما يكفيه ، وعن طريق ارتداء الملابس غير الكافية ، أو الوقوف وقفة غير طبيعية ، ومجهدة للغاية ، والبقاء على مثل هذا الوضع عدة شهور أو عن طريق عدم العناية بنظافة الجسد ، أو ربط الأطراف بالأربطة ، وبحمل السلاسل