تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
والأثقال وغير ذلك من الطرق الأخرى التي تؤدي إلى التقليل من ملاذ الحياة أو القضاء على رغبات الإنسان الطبيعية ، أو التي يتسبب عنها الآلام لعدم العناية بتلك المطالب عناية كافية . وقد يودي هذا الأسلوب من أساليب الحياة بالقوى العقلية ، أو يؤدي إلى إضعافها . وفي كثير من الأحيان قد ينتهي بالراهب إلى الشذوذ العقلي ، أو يجعله نهبا للأحلام الشاذة 22 . وهكذا غدت التربية المسيحية نظاما قاسيا يهيء لحياة مقبلة ، تنظر إلى كل ما يتصل بأمور هذه الحياة الدنيا نظرة احتقار وازدراء ، وإلى كل ما ينتسب إلى هذا العالم نظرها إلى شر كبير . وتعد كل عناية بنمو الشخصية الفردية ويتعهد الغرض البديعي أو النشاط الفكري خطيئة كبيرة . وكان المسيحي منفصلا عن العالم الإنساني ليدخل في ملكوت اللّه وكان عليه أن يعزف عن عالم فاسد مليء بالشرور ، وأن يتعهد نفسه بالحرمان والانصراف عن كل لذة 23 وميزة الوسطية والاعتدال أهلت الأمة الإسلامية لتولي قيادة البشرية وتوجيهها نحو الخير والهدى . قال اللّه تعالى :
« وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » .
24

4 - الواقعية والمثالية :

لا ينكر هذا المنهج واقع الإنسان وبيئته ، ولا ما جبل عليه من ضعف ونقص ، ولا ما وضع فيه من غرائز وشهوات ، ولا ما يريد الحصول عليه من ملذات ومسرات . وهو إذ يعترف بواقعه البشري وبكيانه الجسمي والنفسي وبحاجاته المادية والمعنوية ، لم يتركه ملتصقا بالأرض وإنما حلق به في جو السماء ، ولم يدعه يتمرغ في الطين ، وإنما جعله يتضمخ بالطيب ، ولم يمنعه من اللذات والشهوات ، وإنما وفر له كل متعة جسمية وعقلية وروحية . ولم يفعل به ذلك قسرا ، ولم يفرض عليه ذلك فرضا . بحيث يرى نفسه مكلفا بما لا يستطيعه ، ومأمورا بما لا يقدر عليه ، مما يجعله لا يستقر على القمة التي رفع إليها ، بل ينتكص على عقبيه ، ويهوي إلى الحضيض ، ولكنه أخذ بيده برفق ، وسار به خطوات وئيدة ، وجعله يرفرف بجناحيه ، ويحلق شيئا فشيئا ، حتى يبلغ أعلى الدرجات ، ويسمو إلى أرفع المقامات ، وجعله رافع الرأس ، يتقدم نحو الأمام ، ويرتفع إلى الأعلى حتى تنتهي رحلة الحياة ، فيستقر في عليين .