تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧

2 - التدرج في التربية

يعني هذا المبدأ الانطلاق من السهل إلى الصعب ، والانتقال من البسيط الجلي إلى المعقد الخفي ، ومن المألوف المعروف إلى الغريب المجهول ، ومن الأسس والمبادئ العامة إلى التفصيل والفروع الجزئية . كما يعني جعل التربية على خطوات يتلو بعضها بعضا . وقد اعتمد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على هذا المبدأ في دعوته ، إذ لم يبدأ بتشريع الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان بغيره ، ولم يستهل الدعوة بصياغة نظريات لإصلاح الفرد والمجتمع ، ولا وضع قوانين في نظام المال ونظام الحكم بل لم يبدأ بتفصيل أحكام العبادات وبيان شروطها وأركانها وسننها ، وإنما بدأ بأساس ذلك كله وهو العقيدة واستمرت الآيات ثلاث عشرة سنة تنزل في النهي عن عبادة الأصنام وعن الشرك بالله ، والأمر بعبادة اللّه الواحد وطاعته ، وتحث على العمل بشريعته ، وتدعوا إلى الإيمان باليوم الآخر ، وتبشر المؤمنين بالجنة وتخوف الكافرين بالعذاب والنار ؛ حتى دخل الناس في الإسلام ، وأصبحوا على استعداد لفعل ما يؤمرون به وترك ما ينهون عنه . وحينئذ نزلت الآيات بالأحكام الشرعية التي يحتاجون إليها . وعن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : « إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل 23 فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب 24 الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا : لا ندع الزنى أبدا 25 » . وأوضح مثال على هذا المبدأ الخطوات التي أدت إلى تحريم الخمر إذ كان العرب مولعين بشربها ، وكانوا يعدونها من المؤن الضرورية ، ويتناولونها في الصباح والمساء والليل والنهار وحين السرور والحزن . والخمر أم الخبائث فهي تضر بالصحة ، لأنها تتلف المعدة ، وتؤدي إلى تشمع الكبد وتصلب الشرايين وتذهب العقل ، وتشل الأعصاب ، وتجعل من يتناولها يسيء إلى أقاربه وأصحابه ، فيصبح الأصدقاء المتحابون أعداء متباغضين . وما يحدث بسببها من الخسائر المادية لا يحتاج إلى بيان . ومبادئ الإسلام تقضي بتحريمها لما فيها من أضرار . ومع ذلك فلم تحرم إلا بعد مضي خمس عشرة سنة من بدء الوحي . وكان تحريمها بالتدريج وأثر حادثة تقتضي الحكم الشرعي في كل مرة .