تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
واختلف العلماء بالمقدار الواجب مسحه ، فقال الإمام مالك ، والإمام أحمد : الباء صلة ، والواجب تعميم الرأس بالمسح . وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : الباء للتبعيض ، والبعض ما يقع عليه الاسم عند الشافعي ، ولو بمقدار الأصبع . وعند أبي حنيفة : لا يكون البعض أقل من ربع الرأس ، رحمهم اللّه جميعا ، فأخذ مالك ، وأحمد بالاحتياط ، فأوجبا الاستيعاب ، وأخذ الشافعي باليقين ، فأوجب مسح ما يقع عليه اسم المسح ، وأخذ أبو حنيفة ببيان السنة ، وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة - رضي اللّه عنه - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم توضأ فمسح بناصيته ، وعلى العمامة ، والخفين . متفق عليه . وقدّر الناصية بربع الرأس .
وَأَرْجُلَكُمْ
يقرأ بفتح اللام عطفا على :
وُجُوهَكُمْ
وهذا لا ريب فيه ، وإن عطفته على ( رؤوسكم ) فيكون مثل قوله تعالى في سورة ( الفرقان ) :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ،
وقوله تعالى في سورة ( الحج ) :
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ،
وقوله تعالى في سورة ( الحشر ) :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ
انظر شرح هذه الآيات في محالها تجد ما يسرّك ، ويثلج صدرك . ويكون المعنى هنا : وامسحوا برؤوسكم ، واغسلوا أرجلكم . وقراءة الجرّ على الجوار ، وله نظائر في كتاب اللّه تعالى ، وفي الشّعر العربي ، فمن ذلك قوله تعالى في كثير من الآيات :
عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ *
وقوله : ( وحور عين ) بجر ( حور ) ، وإنّ
أَلِيمٍ
صفة عذاب ، وقد جر لمجاورة
يَوْمٍ ،
( وحور ) معطوف على
وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
وهو مرفوع ، وقد جرّ لقربه من :
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ
ومن ذلك قول امرئ القيس في معلّقته ، وهو الشاهد رقم [ 908 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الطويل ]
كأنّ أبانا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمّل
فجرّ « مزمل » مع كونه صفة لكبير لمجاورته ل « بجاد » وقال زهير : [ الكامل ]
لعب الزّمان بها وغيّرها * بعدي سوافي المور والقطر
قال أبو حاتم : كان الوجه « القطر » بالرفع ، ولكنّه جرّه على جوار « المور » كما قالت العرب : هذا حجر ضبّ خرب ، فجر : خرب ، وإنّما هو صفة ل : « حجر » المرفوع . والذي عليه المحققون : أنّ خفض الجوار يكون في النّعت قليلا ، وفي التّوكيد نادرا كما في قول أبي الغريب - وهو في : « فتح القريب المجيب » رقم [ 1163 ] - : [ البسيط ]
يا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهم * أن ليس وصل إذا انحلّت عرا الذّنب
ولا يكون في النسق إلا لحكمة واضحة ؛ لأنّ العاطف يمنع من التّجاور ، ولذا بين الزمخشري الحكمة في الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها ، فقال : لما كانت الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة بصبّ الماء عليها ؛ كانت مظنّة الإسراف المذموم شرعا ، فعطفت على