تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
أشداء ، أقوياء ، غلظاء على أعدائهم الكافرين . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : هم للمؤمنين كالوالد للولد ، والسّيّد للعبد ، وهم في الغلظة على الكفّار كالسّبع على فريسته . قال تعالى في وصفهم في آخر سورة ( الفتح ) :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
انظر شرحها ؛ تجد ما يسرّك ، ويثلج صدرك . هذا ؛ وبين :
أَذِلَّةٍ
و
أَعِزَّةٍ
طباق ، وهو من المحسّنات البديعيّة .
يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ :
يبذلون أموالهم ، وأرواحهم في سبيل نصرة الدّين الحنيف ، ولا يخافون لومة لائم : بخلاف المنافقين يخافون الدّوائر ، فدلّ بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي - رضي اللّه عنهم أجمعين - ؛ لأنّهم جاهدوا في اللّه - عزّ وجلّ - في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقاتلوا المرتدّين بعده ، ومعلوم : أنّ من كانت فيه هذه الصفات ؛ فهو وليّ للّه تعالى . وقيل : الآية عامّة في كلّ من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة . فعن عبادة بن الصّامت - رضي اللّه عنه - قال : « بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على السّمع ، والطّاعة في العسر ، واليسر ، والمنشط ، والمكره ، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله ، وعلى أن نقول بالحقّ أينما كنّا ، لا نخاف في اللّه لومة لائم » . متّفق عليه . وعن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يحقرنّ أحدكم نفسه أن يرى للّه أمرا للّه فيه مقال ، فلا يقول فيه ، فيقال له يوم القيامة : ما منعك أن تكون قلت في كذا ، وكذا ؟ فيقول : مخافة النّاس ، فيقول : إيّاي أحقّ أن تخاف » . أخرجه الإمام أحمد .
ذلِكَ :
إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبّة ، ولين الجانب للمؤمنين ، والشدّة على الكافرين ، وأنّهم يجاهدون في سبيل اللّه ، لا يخافون لومة لائم . كلّ ذلك من فضل اللّه تعالى ، تفضّل به عليهم ، ومن إحسانه إليهم .
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ :
يعطيه ، ويمنحه من يشاء من عباده .
وَاللَّهُ واسِعٌ :
يسع خلقه كلهم بالكفاية ، والرزق ، والجود ، والعطاء ، وهو واسع الفضل ، والرّحمة . وقيل : واسع القدرة ، والعلم ، والرزق . وقيل : هو الغنيّ الذي وسع جميع مخلوقاته .
عَلِيمٌ
بأفعال عباده ، وبمن يستحقّ الفضل ، والرحمة ، قال تعالى في سورة طه :
وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً .
واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . هذا ؛ و « أتى » يأتي لازما ؛ إن كان بمعنى : حضر ، وأقبل . ومتعدّيا إن كان بمعنى : وصل ، وبلغ . فمن الأول ما في الآية الكريمة قوله تعالى :
يَأْتِي اللَّهُ
وقوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ،
ومن الثاني قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ
رقم [ 47 ] من سورة ( الأنعام ) ، ومثلها برقم [ 40 ] منها ، هذا ؛ و « أتى » بمعنى : أعطى ، يعطي ينصب مفعولين ، ومنه ما في الآية الكريمة :
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ .
و
لائِمٍ
أصله : لاوم اسم فاعل من : لام ، يلوم ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ولم يعتدّ بالألف