تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
كهل . فإذا أنزله اللّه من السماء ؛ أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة - وهو الكهل - فيقول لهم :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
كما قال في المهد . فهاتان آيتان ، وحجّتان . انتهى . قرطبي .
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
أي : من العباد الصّالحين ، مثل إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وموسى ، وهارون ، وغيرهم من الأنبياء ، وفي وصف عيسى - عليه السّلام - بهذه الصفات المتغايرة إشارة إلى أنّه بمعزل عن الألوهيّة . ففيه رد على النّصارى ، وقوله : (
مِنَ الصَّالِحِينَ
) أي : الكاملين في الصلاح ، فإنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا ؛ لأنه لا يكون لذلك إلا إذا كان في جميع الأفعال ، والمتروك مواظبا على المنهج الأصلح ، وذلك من تناول جميع المقامات في الدين ، والدنيا ، في أفعال القلوب ، والجوارح ، ولهذا قال سليمان - عليه الصلاة والسّلام - بعد النبوة :
« وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ »
. وقال يوسف الصديق بعد النبوة أيضا :
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .
بعد هذا أقول : مشايخ هذا الزمن يحبّون أن تقبّل أيديهم ، وأرجلهم ، ويقولون : يستحب تقبيل يد الرّجل الصالح ! فهلا يأتون بالرجل الصالح بعدما قدمته في وصف الصالحين ؟ ! وخذ ما يلي : قال أبو هريرة - رضي اللّه عنه - : دخلت السّوق مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاشترى سراويل ، وقال للوزان : « زن ، وأرجح » . فوثب الوزان إلى يد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليقبلها ، فجذب يده ، وقال : « هذا تفعله الأعاجم بملوكها ، ولست بملك ، وإنّما أنا رجل منكم » . ثمّ أخذ السراويل ، فذهبت لأحملها ، فقال : « صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله » . فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يرض أن تقبل يده ، وجذب يده من يد الوزّان . وقال ما قال ، وهم يمدّون أيديهم على طولها ؛ ليتبارك بها من يقبلها من الناس . بعد هذا ؛ فقد قال صاحب السيرة الحلبية - رحمه اللّه تعالى - : وقد تكلّم جماعة في المهد ، نظمهم الجلال السّيوطي - رحمه اللّه تعالى - في قوله : [ الطويل ]
تكلّم في المهد النّبيّ محمّد * ويحيى وعيسى والخليل ومريم
ومبري جريج ثمّ شاهد يوسف * وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مرّ بالأمة الّتي * يقال لها تزني ولا تتكلّم
وما شطة في عهد فرعون طفلها * وفي زمن الهادي المبارك يختم
وقال بعضهم : لكنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حصر من تكلّم في المهد في ثلاثة ، ولم يذكر نفسه ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « لم يتكلّم في المهد إلّا ثلاثة : عيسى ابن مريم ، وصاحب جريج ، وابن المرأة الّتي مرّ عليها بامرأة ، يقال لها : زنت » . وقد يقال : هذا الحصر إضافي ، أي : ثلاثة من بني إسرائيل ، أو إنّ ذلك كان قبل أن يعلم بما زاد ، ثمّ بعد هذا أعلمه اللّه تعالى بما شاء من ذلك ، فأخبره به ، واللّه أعلم .