تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 680

مساهمون:

ص٦٨٠
المعجزات ؛ التي جاء بها موسى ، ثمّ كفرهم بعيسى ، والإنجيل ، وكفرهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن سخطنا عليهم ، ولعناهم ، وطردناهم من رحمتنا . هذا ؛ و « النقض » يستعمل في الشيء المحسوس كالجدار ، والحبل ، ونحوهما ، وقد استعير هنا لشيء معنوي ، وهو الميثاق ، ونقضه .
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
أي : بغير استحقاق ، فقد قتلوا زكريا ، ويحيى ، وغيرهم كثيرين ، كما ذكرته لك فيما تقدّم ، وقتل الأنبياء لا يكون حقّا ؛ لأنّهم لا يفعلون ما يستوجب القتل ، لعصمتهم من الكبائر ، بل ومن الصّغائر .
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ :
جمع أغلف ، أي : مغطاة بأغطية ، فلا تعي ما تقول يا محمد ! فهم يريدون : أنّها خلقت مغشّاة بأغطية خلقية ، فهي لا تعي ما جئت به ، وهو مستعار من الأغلف ، الذي لم يختن ، واستعار الغلاف بمعنى الغطاء لعدم الفهم والإدراك ، وقرئ بسكون اللام وضمها مثل : رسل ، ونحوه ، وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أي : قلوبنا ممتلئة علما ، لا تحتاج إلى علم محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا غيره ، ومثل هذه الآية رقم [ 88 ] من سورة ( البقرة ) والآية رقم [ 5 ] من سورة ( فصلت ) ، ونصها :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ .
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ :
جعلها محجوبة عن العلم ، أو خذلها ، ومنعها التوفيق للتدبّر في الآيات ، والتذكر في المواعظ .
فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
أي : إلا إيمانا قليلا لا قيمة له . وقيل : المراد بالقليل عبد اللّه بن سلام ، وأصحابه ؛ الّذين آمنوا بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم إيمانا صحيحا . هذا ؛ و « الطبع » الختم ، وهو التأثير في الطّين ، ونحوه ، فاستعير هنا ، وفي كثير من الآيات لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها ، وإذا طبع على قلب إنسان ؛ فلا تؤثّر فيه حينئذ الموعظة ، ولا تجدي معه النصيحة ، كما قال تعالى في كثير من الآيات :
فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ .
هذا ؛ والطّبع : السّجية ، والخلق الذي طبع عليه الإنسان ، والطّبيعة مثله ، وجمع الأول : طباع ، وجمع الثاني : طبائع ، والطّبع : تدنس العرض ، وتلطّخه ، يقال : طبع السيف ، إذا دخله الجرب من شدّة الصدأ ، وطبع الرجل : إذا أتى عيبا ، يقال : نعوذ باللّه من طمع يدني إلى طبع ، أي : إلى دنس ، قال ثابت بن قطنة : [ البسيط ]
لا خير في طمع يدني إلى طبع * وغفّة من قوام العيش تكفيني
الإعراب :
فَبِما نَقْضِهِمْ :
الفاء : حرف استئناف ، وهو أقوى من العطف على الآية السّابقة . ( بما
نَقْضِهِمْ
) : ( ما ) مقحمة بين الجار والمجرور . وقيل : ( ما ) : نكرة موصوفة في محل جر بالباء و
نَقْضِهِمْ :
بدل منها ، وهو ضعيف . وهما متعلقان على رأي الزمخشري ، والبيضاوي بمحذوف ، تقديره : فخالفوا ، ونقضوا ، ففعلنا بهم ما فعلنا بسبب نقضهم . وقالا : يجوز تعليقهما بالفعل الآتي : ( حرمنا ) ، وصحّح الجمل تبعا للجلال تعليقهما بمحذوف تقديره : « لعناهم » ، وذلك لأنّه صرّح به في قوله تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ
الآية رقم [ 13 ] من سورة
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 680 | الشيخ محمد علي طه الدرة