تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 615

مساهمون:

ص٦١٥
الناس ، و ( همّت ) بمعنى : عزمت ، وقرّرت ، وأرادت . والهمّ : العزم على الشيء ، والمقاربة من الفعل من غير دخول فيه ، ومنه قوله تعالى في سورة ( يوسف ) الصدّيق - على نبينا وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها .
وقال عمرو بن ضابئ البرجمي : [ الطويل ]
هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله
و « الهم » أيضا : الحزن ، ومثله : الغمّ . ويفرّق بينهما بأنّ الأول لأجل تحصيل شيء في المستقبل ، والثاني لأجل فوات شيء ، وفقدانه في الماضي ، وبأنّ الأول يطرد النّوم ، ويسبب الأرق ، والثاني يجلب النّوم ، ويسبّب الهدوء ، والسكون ، والهموم ، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان ؛ أسرع فيه الشيب ، وهزل جسمه . وروي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه قال : « الهمّ نصف الهرم » . وقال أبو الطيّب المتنبّي : [ الكامل ]
والهمّ يخترم الجسيم نحافة * ويشيب ناصية الصّبيّ فيهرم
لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
أي : يبعدوك عن الحقّ ، والعدل مع علمهم بحقيقة الأمر .
وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ :
لأنّ وباله عليهم بسبب تعاونهم على الإثم ، وبشهادتهم له : أنّه بريء ، فهم لمّا أقدموا على ذلك ؛ رجع وباله عليهم .
وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
يعني : وإن بذلوا جهدهم في إلقائك في الباطل ، فأنت ما وقعت فيه ؛ لأنّ اللّه متولّي شؤونك ، وحافظك ، وعاصمك من الزّلل ، والخطأ في حياتك كلّها ، وما هممت به كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر ، لا ميلا في الحكم ، وخروجا عن الحقّ .
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ :
القرآن .
وَالْحِكْمَةَ :
القضاء بهما ، وانظر الآية رقم [ 54 ] ، فكيف يضرّونك بتدليسهم ، وخداعهم ، وإلقائك في الشّبهات ؟ !
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ :
من أحكام الشرع ، وأمور الدين ، وعلّمك من خفيات الأمور ، وأطلعك على ضمائر القلوب ، وعلّمك من أحوال المنافقين ، وكيدهم ما لم تكن تعلم .
وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
يعني : لم يزل فضل اللّه عليك يا محمد عظيما ، فاشكره على ما أولاك من إحسان ، ومنّ عليك بنبوّته ، وعلّمك ما أنزل عليك من كتابه ، وحكمته ، وعصمك ممّن حاول إضلالك ؛ فإنّ اللّه هو الذي تولّاك بفضله ، وشملك بإحسانه ، وكفاك غائلة من أرادك بسوء . ففي هذه الآية تنبيه من اللّه عزّ وجل ، وتذكير لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما حباه من ألطافه ، وما شمله من فضله ، وإحسانه ؛ ليقوم بواجب حقّه . انتهى خازن . بعد هذا : فالفعل « علم ، وتعلم » في هذه الآية من المعرفة ، لا من العلم اليقيني ، والفرق بينهما : أنّ المعرفة تكتفي بمفعول واحد ، قال ابن مالك - رحمه اللّه تعالى في ألفيته - : [ الرجز ]
لعلم عرفان وظنّ تهمه * تعدية لواحد ملتزمه
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 615 | الشيخ محمد علي طه الدرة