تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
ويحك يا عياش ! أيّ شيء فعلت ؟ إنّه قد أسلم ، فرجع عياش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : يا رسول اللّه ! إنّه كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت ، وإنّي لم أشعر بإسلامه ؛ حتّى قتلته ، فنزل قوله تعالى :
وَما كانَ . . .
إلخ . وفي مختصر ابن كثير : أنّ عياشا - رضي اللّه عنه - قتل الحارث يوم فتح مكّة .
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ :
ما صحّ له ، ولا استقام ، وما ينبغي . والتعبير بهذين اللفظين ونحوهما معناه : الحظر ، والمنع ، فيجيء لحظر الشيء ، والحكم بأنّه لا يجوز ، كما في هذه الآية ، ومثلها كثير ، وربما كان امتناع ذلك الشّيء عقلا ، كقوله تعالى في سورة ( النّمل ) :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها .
وربما كان العلم بامتناعه شرعا ، كما في قوله تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 79 ] ، وقوله تعالى في سورة ( الشّورى ) رقم [ 51 ] :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً . . .
إلخ . وربما كان في المندوبات ، كما تقول على سبيل التوبيخ : ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح ، والعشاء في الجماعة ، ونحو ذلك .
أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً
أي : عمدا بدون موجب لقتله .
إِلَّا خَطَأً
أي : في حال خطئه . هذا ؛ وقيل : الخطأ على أنواع : منها : أن يقصد الإنسان شيئا ، كعصفور مثلا ، فيصيب إنسانا ، لا يقصد قتله . ومنها : أن يرمي كافرا ، فيصيب مسلما . ومنها : أن يرمي شخصا يظنّه كافرا ، فإذا هو مسلم ، كالذي فعله عياش - رضي اللّه عنه - . ومنها : أن يقتل صبيّ كبيرا . وألحق بعضهم بها شبه العمد ، وهو أن يضربه بما لا يقتل غالبا . ومنها : نوم الأم على ولدها حتّى يموت ، وهي لا تعلم بذلك ، وحوادث السّيارات في هذه الأيام تعدّ من القتل خطأ « 1 » .
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً
أي : في أيّ نوع من الأنواع المذكورة :
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ . . .
إلخ : أي : يجب على الذي يقتل مؤمنا خطأ أن يعتق عبدا مؤمنا كفارة لما فعل ، وذلك بعد دفع الدّية لأولياء القتيل . هذا ؛ والتّحرير : الإعتاق ، وعبّر بالرّقبة عن الإنسان من إطلاق الجزء على الكلّ ، وانظر شرح ( أهل ) في الآية رقم [ 58 ] .
إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا
أي : يعفو ورثة القتيل عن الدّية ، أو عن بعضها ، وانظر الآية رقم [ 178 ] من ( سورة ( البقرة ) ) . هذا ؛ والدّية على العاقلة « 2 » ، أي : على أقرباء القاتل ، وأمّا الكفارة فهي على القاتل نفسه . هذا ؛ وتقسم دية القتيل على ورثته ، كما تقسم أمواله ، فقد ورّث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم
هامش
( 1 ) أقول : إن لم يكن السّائق قد خالف أنظمة المرور المعدّة للسلامة العامة ، ويكون القتل في مثل هذا الحال شبه عمد لا خطأ . ( 2 ) الدّية في قتل الخطأ على العاقلة ، أمّا في قتل شبه العمد فعلى القاتل نفسه مغلظة ، وذلك عند بعض الفقهاء ، وهو المرجّح . واللّه أعلم .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 570 | الشيخ محمد علي طه الدرة