تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ :
فرض عليهم جهاد المشركين ، وقتالهم ، وأمروا بالخروج إلى بدر
إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ :
جماعة منهم ، أي : من الّذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد ، واستأذنوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في القتال .
يَخْشَوْنَ النَّاسَ
أي : يخافون مشركي مكة ، كما قال تعالى في سورة ( الأنفال ) :
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ . . .
إلخ .
كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً :
أَوْ
بمعنى الواو ؛ يعني : وأشد خشية . انظر ما ذكرته في سورة ( البقرة ) رقم [ 74 ] بشأن « أو » تجد ما يسرّك ، ويثلج صدرك . قال السدي رحمه اللّه تعالى : هم قوم أسلموا قبل فرض القتال ، فلمّا فرض القتال ؛ كرهوه . وقيل : هو وصف للمنافقين ، والمعنى : يخشون القتال مع المشركين ، كما يخشون الموت من اللّه .
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ . . .
إلخ ؛ أي : هلا تركتنا ، ولم تفرض علينا القتال حتى نموت بآجالنا . والقائلون لهذا القول هم المنافقون ؛ لأنّ هذا القول ، لا يليق بالمؤمنين . وقيل : قاله بعض المؤمنين ، وإنّما قالوا ذلك خوفا ، وجبنا ، لا اعتقادا ، ثمّ إنهم تابوا من هذا القول . قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : ومعاذ اللّه أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم : أنّ الآجال محدودة ، والأرزاق مقسومة ، بل كانوا لأوامر اللّه ممتثلين ، سامعين ، طائعين ، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة على ما هو معروف من سيرتهم ، - رضي اللّه عنهم - . اللهم إلا أن يكون قائله ممّن لم يرسخ الإيمان في قلبه ، ولا انشرح بالإسلام جنانه ، فإنّ أهل الإيمان متفاضلون ، فمنهم الكامل ، ومنهم الناقص ، وهو الذي تنفر نفسه عمّا يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقّة ، وتدركه فيه الشدّة . واللّه أعلم . انتهى .
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
أي : قل يا محمد لهؤلاء : منفعة الدنيا ، والاستمتاع بلذّاتها قليل ، وسمّاه اللّه قليلا ؛ لأنّه لا بقاء له ، وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثلي ومثل الدّنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة ، ثمّ راح ، وتركها » . ومثله يروى عن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - وغيره كثير . وعن المستورد بن شدّاد - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « واللّه ما الدّنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليمّ ، فلينظر بم يرجع ؟ » . أخرجه مسلم .
وَالْآخِرَةُ
يعني : وثواب الآخرة .
خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى :
يعني : اتقى الشرك ، وابتعد عن معصية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا :
ولا تنقصون من أجوركم قدر فتيل ، انظر الآية رقم [ 49 ] . هذا ؛ وقال ابن أبي حاتم عن هشام ؛ قال : قرأ الحسن :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
فقال : رحم اللّه عبدا صحبها على حسب ذلك ، وما الدنيا كلّها أوّلها ، وآخرها إلا كرجل نام نومة ، فرأى في منامه ما يحبّ ، ثمّ انتبه . وقال ابن معين : كان أبو مصهر ينشد : [ الطويل ]
ولا خير في الدّنيا لمن لم يكن له * من اللّه في دار المقام نصيب
فإن تعجب الدّنيا رجالا فإنّها * متاع قليل والزّوال قريب