تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
مِنْهُمْ
ويدلّ هذا على صحّة كون سؤال العلماء واجبا ، وامتثال فتواهم لازما . قال سهل بن عبد اللّه : لا يزال الناس بخير ما عظموا السّلطان ، والعلماء ، فإذا عظّموا هذين ؛ أصلح اللّه دنياهم ، وأخراهم ، وإذا استخفّوا بهذين ؛ فسدت دنياهم ، وأخراهم . وانظر الآية رقم [ 83 ] ومعنى :
تَنازَعْتُمْ :
تجادلتم ، واختلفتم ، فكأنّ كلّ واحد ينتزع حجّة الآخر ، ويذهبها ، والمنازعة : مجاذبة الحديث ، والحجج . قال الأعشى في معلّقته : [ البسيط ]
نازعتهم قضب الرّيحان متّكئا * وقهوة مرّة راووقها خضل
فِي شَيْءٍ
من أمر دينكم ، ودنياكم .
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
أي : ردّوا ذلك الحكم إلى كتاب اللّه ، عزّ وجلّ ، وإلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته ما دام حيا ، وبالنّظر في سنّته بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم . ومن لم ير هذا اختلّ إيمانه ؛ لقوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .
قال العلماء : في الآية دليل على أنّ من لا يعتقد وجوب طاعة اللّه عزّ وجل ، وطاعة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومتابعة السنة ، والحكم بالأحاديث الواردة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا يكون مؤمنا باللّه ، واليوم الآخر ، وهو الذي يكون فيه الحشر ، والنشر ، والحساب والجزاء ، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الرّبّانيّ .
ذلِكَ خَيْرٌ :
أي : ردّكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب ، والسنّة خير من التنازع .
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا :
أي : مرجعا ، وأحمد عاقبة ، من : آل ، يؤول إلى كذا ، أي : صار . هذا ؛ وقال البخاريّ - رحمه اللّه تعالى - : نزلت الآية الكريمة في عبد اللّه بن حذافة السّهمي - رضي اللّه عنه - إذ بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على رأس سرية ، فلمّا خرجوا ؛ وجد عليهم في شيء ، فقال لهم : أليس أمركم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بطاعتي ؟ قالوا : بلى ! قال : فاجمعوا حطبا ، ثم دعا بنار فأضرمها ، ثمّ قال : عزمت عليكم لتدخلنّها ! فقال شابّ منهم : إنّما فررتم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من النّار ، فلا تعجلوا حتّى تلقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن أمركم أن تدخلوها ، فادخلوها ، ورجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأخبروه ، فقال لهم : « لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا ، إنّما الطّاعة في المعروف » . وفي رواية : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » . وضعّف الدّاوودي هذه الرّواية . وقال السّديّ - رحمه اللّه تعالى - : نزلت في خالد بن الوليد - رضي اللّه عنه - وذلك : أنّه بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على سرية ، وفيها عمّار بن ياسر - رضي اللّه عنهما - ، فلمّا قربوا من القوم ؛ هربوا منهم ، وجاء رجل منهم إلى عمّار قد أسلم ، فأمّنه عمّار ، فجاء خالد - رضي اللّه عنه - ، فأخذ مال الرّجل ، فقال عمّار : إني قد أمنته ؛ وقد أسلم ، فقال خالد : أتجير عليّ ؛ وأنا الأمير ؟ ! فتنازعا ، وقدما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأجاز أمان عمّار ، ونهاه أن يجير ثانية . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه .