تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
الصّلاة أمانة ، والوضوء أمانة ، والوزن أمانة ، والكيل أمانة - وأشياء عدّدها - وأشدّ ذلك الودائع » . رواه البخاريّ ، وأحمد ، والبيهقيّ موقوفا . وذكر عبد اللّه ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد : أنّه سأل أباه عنه ، فقال : إسناد جيّد . هذا ؛ وجميع النعم التي أنعم اللّه بها على الإنسان أمانة ؛ وما أكثرها ! قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها .
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
أي : ويأمركم اللّه أن تعدلوا بين الناس في أحكامكم . ويدخل في ذلك جميع الخلق ، والخطاب يعمّ كلّ من تولّى الحكم بين اثنين من ولاة ، وغيرهم . فعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستّين سنة ، وحدّ يقام في الأرض بحقّه أزكى فيها من مطر أربعين صباحا » . رواه الطّبرانيّ في الكبير ، والأوسط ، وكلمة « إمام » تعمّ ، وتشمل كلّ من تولّى شأنا من شؤون المسلمين ، وأمرا من أمورهم ، فهو يتدرّج من رئيس الدّولة إلى المحافظ . . إلى الشّرطي الذي يتولى التّحقيق بين اثنين متخاصمين . وعن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ المقسطين عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرّحمن - وكلتا يديه يمين - الّذين يعدلون في حكمهم ، وأهليهم ، وما ولوا » . رواه مسلم ، والنّسائي . وأحقّ الناس بالعدل الأهل ، وهو يشمل الزّوجة ، والأولاد . و ( أهل ) اسم جمع ، لا واحد له من لفظه ، مثل : معشر ، ورهط ، ونفر . . . إلخ . والأهل : العشيرة ، وذوو القربى . ويطلق على الزّوجة ، والأولاد ، وعلى الأتباع أيضا ، وجمعه : أهلون وأهال ، وآهال ، وأهلات ، وبالأولين قرئ قوله تعالى في سورة التّحريم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ .
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا . . .
إلخ أي : ويأمركم بأن تحكموا بالحق ، والإنصاف ، وإذا قضيتم بين الناس ، فلا تميلوا عن الحق إلى أحد المتخاصمين .
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً :
لأقوالكم ،
بَصِيراً :
بأعمالكم . وصف اللّه تعالى نفسه بأنّه سميع بصير ، يسمع ويرى ، كما قال تعالى في سورة طه لموسى وهارون على نبينا وحبيبنا وعليهما ألف صلاة ، وألف سلام :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ،
والمعنى : فإذا حكمتم ؛ فهو يسمع حكمكم ، وإذا أديتم الأمانة ؛ فهو يبصر فعلكم . وأصل العدل هو المساواة في الأشياء ، فكل ما خرج عن الظلم ، والاعتداء سمّي عدلا . قال بعض العلماء : ينبغي للقاضي أن يسوّي بين الخصمين في خمسة أشياء : في الدّخول عليه ، والجلوس بين يديه ، والإقبال عليهما ، والاستماع منهما ، والحكم بالحق فيما لهما ، وعليهما . وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحقّ إلى مستحقّه ، وأن لا يمتزج بغرض آخر . هذا ؛ وذكر لفظ الجلالة في ثلاث جمل لتربية المهابة في النّفوس ، ولتعظيمه في القلوب .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 499 | الشيخ محمد علي طه الدرة