تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
ومن الأكل بالباطل : أن يحكم الحاكم لك ؛ وأنت تعلم أنّك مبطل ، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء الحاكم ؛ لأنّه يقضي بالظاهر . فقد روى الأئمّة عن أمّ سلمة - رضي اللّه عنها - قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قطعت له من حقّ أخيه شيئا ؛ فلا يأخذه ، فإنّما أقطع له قطعة من نار » . وفي رواية أخرى : « فليحملها ، أو ليذرها » . هذا ؛ والباطل : ضد الحقّ ، والباطل بمعنى الفاسد ، والبطلان عبارة عن عدم الشيء ، إما بعدم ذاته ، أو بعدم فائدته ، ونفعه . هذا ؛ و « بطل » من باب دخل ، والبطل بفتحتين : الشجاع ، والبطل : بضم فسكون : الباطل ، والكذب ، والزور ، والبهتان ، والبطالة : التعطّل ، والتفرّغ من العمل ، ومبطل : اسم فاعل من : أبطل الرّباعي ، والباطل في قوله تعالى في سورة ( فصلت ) :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
قال قتادة ، والسّدي : الباطل : الشّيطان لا يستطيع أن يغيّر في القرآن شيئا ، ولا يزيد ، ولا ينقص منه ، وقوله تعالى في سورة ( الشورى ) :
وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ
الباطل : الشرك ، والبطلة في قول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تستطيعها البطلة » أي : لا تستطيع قراءة سورة ( البقرة ) السّحرة . هذا ؛ ويجمع « باطل » على : أباطيل شذوذا ، كما شذّ : أحاديث ، وأعاريض ، وأفاظيع في جمع حديث ، وعريض ، وفظيع . وفي القرطبي : وجمع الباطل : بواطل ، والأباطيل جمع : البطولة ، ولم أجده في كتب اللغة .
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً :
أي : إلا أن تكون الأموال أموال تجارة ، والتّجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ، ومنه : الأجر ، والثواب ؛ الّذي يعطيه اللّه تعالى للعبد يوم القيامة عوضا عن الأعمال الصّالحة ؛ التي هي بعض من فعله . قال تعالى في سورة ( الصف ) :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ .
وقال تعالى في سورة ( فاطر ) :
يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ .
وقال تعالى في سورة ( التوبة ) :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . . .
إلخ ، فسمّى اللّه ذلك كلّه : بيعا ، وشراء على سبيل المجاز . تشبيها بعقود البيع ، والشراء ؛ التي تحصل بها الأغراض ، والمعاوضات .
عَنْ تَراضٍ :
أي : عن طيب نفس كلّ واحد من المتبايعين . وقيل : هو أن يخيّر كلّ واحد منهما صاحبه بعد البيع فيلزم ، وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرّقا ، لما روي عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا تبايع الرّجلان ؛ فكلّ واحد منهما بالخيار ، ما لم يتفرّقا ، وكانا جميعا ، أو يخيّر أحدهما الآخر ، فإن خيّر أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك ؛ فقد وجب البيع ، وإن تفرّقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ؛ فقد وجب البيع » . رواه الشّيخان ، وغيرهما . هذا ؛ ومن هذه الآية الكريمة احتجّ الشافعي - رضي اللّه عنه - على أنّه لا يصحّ البيع إلا بالإيجاب ، والقبول ؛ لأنّه يدلّ على التّراضي نصّا بخلاف المعاطاة ، فإنّها قد لا تدلّ على
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 431 | الشيخ محمد علي طه الدرة