تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
هذا ؛ ويفهم من الآية الكريمة : أنّ نكاح الأمة مشروط بشرطين : العجز عن نكاح الحرّة ، وخوف الزنى . والحمد للّه رب العالمين حيث ألغي الرقّ . ولم يبق للإماء وجود ، ولكن لا بدّ من القول : إنّه قد حلّ محل الإماء الآنسات ، وبنات العوائل كما يسمّونه في هذا العصر ، فهن القينات ، والمغنّيات ، والرّاقصات ، والخالعات ، والهالعات المبتذلات .
وَأَنْ تَصْبِرُوا
أي : وصبركم عن نكاح الإماء متعفّفين خير لكم . قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحرائر صلاح البيت ، والإماء هلاكه » . رواه أبو هريرة - رضي اللّه عنه - ، ورواه أبو إسحاق الثّعلبي . وهذا يعني : أنّ الصبر على العزوبة خير من نكاح الأمة ؛ لأنّه يفضي إلى إرقاق الولد ، والغضّ من النّفس ، والصّبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة . هذا ؛ والصبر : حبس النفس عن الجزع عند المصيبة ، وحبس اللّسان عن الشّكوى ، وحبس الجوارح عن التّشويش ، وهو مرّ المذاق ، يكاد لا يطاق ، إلا أنّه حلو العواقب ، يفوز صاحبه بأسنى المطالب ، كما قال القائل : [ البسيط ]
الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته * لكن عواقبه أحلى من العسل
وبالجملة فنفع الصبر مشهور ، والحضّ عليه في الكتاب ، والسّنة مقرّر مسطور ، وهو على ثلاثة أنواع : صبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، وصبر على البلاء ، ولا تنس : أنّ من أسماء اللّه : الصّبور ، وفسّر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه . هذا ؛ وقد قال تعالى في سورة ( الرّعد ) رقم [ 22 ] :
وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ
أي : طلبا لمرضاته ، وهذا هو الصبر المحمود ، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه اللّه تعالى ، راضيا بما نزل به من اللّه . طالبا بذلك الصبر ثواب اللّه تعالى ، محتسبا أجره على اللّه . فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان اللّه . وأمّا إذا صبر العبد ؛ ليقال : ما أعظم صبره ! وما أشدّ قوّته على تحمّل النوائب ! أو يصبر لئلا يعاب على الجزع ، أو يصبر لئلا تشمت به الأعداء ، فهذا كلّه مذموم ، ولا ينيل صاحبه الدّرجات العلى ، والمقام الرّفيع عند اللّه ، وقد يعرّضه لشديد غضب اللّه ، ونقمته . هذا ؛ والصّبر على أنواع : الصّبر عن المعصية ، وله ثلاثمئة درجة ، والصّبر على الطاعة ، وله ستمئة درجة ، والصّبر على البلاء ، وله تسعمئة درجة في الجنّة ، لكن ذلك لا يكون إلا بالصّبر عند الصّدمة الأولى ، كما روى البخاريّ - رحمه اللّه تعالى - عن أنس - رضي اللّه عنه - ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه قال : « إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى » . وأخرجه مسلم بأتمّ منه ، وقال الأستاذ أبو علي : الصّبر حدّه : ألا تعترض على التّقدير ، فأمّا إظهار البلوى على غير وجه الشّكوى ؛ فلا ينافي الصّبر . قال تعالى في سورة قصّة أيوب - على نبيّنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ
بعد أن أخبر عنه : أنّه قال :
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ .