تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
وقال قوم : المراد من الآية نكاح المتعة ، وهو أن ينكح امرأة إلى مدّة معلومة بشيء معلوم ، فإذا انقضت تلك المدّة ؛ بانت منه بغير طلاق ، ويستبرئ رحمها ، وليس بينهما ميراث ، وكان هذا في ابتداء الإسلام ، ثمّ نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المتعة ، فحرّمها . ففي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه : أنّه غزا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أيّها النّاس إنّي كنت أذنت لكم في الاستمتاع بالنّساء ، وإنّ اللّه قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهنّ شيء ؛ فليخلّ سبيله ، ولا تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا » . وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصّحابة ، فمن بعدهم . وعن عليّ - رضي اللّه عنه - ، قال : نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية . وفي رواية : الأهلية . أخرجه البخاريّ ، ومسلم . واختلفت الرّوايات عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في المتعة ، فروي عنه : أنّ الآية محكمة . وكان يرخّص في المتعة ، قال عمارة : سألت ابن عباس عن المتعة ، أسفاح هي أم نكاح ؟ فقال : لا سفاح ، ولا نكاح ، قلت : فما هي ؟ قال : متعة ؛ قال تعالى :
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ .
قلت : هل لها عدّة ؟ قال : نعم حيضة ، قلت : هل يتوارثان ؟ قال : لا . وروي : أنّ النّاس لما ذكروا ، وتذاكروا فتيا ابن عباس بالمتعة ؛ حتّى قال أحد الشّعراء : [ البسيط ]
أقول للرّكب إذ طال الثّواء بنا * يا صاح هل لك في فتيا ابن عبّاس ؟
في بضّة رخصة الأطراف ناعمة * تكون مثواك حتّى مرجع النّاس
قال : قاتلهم اللّه ! أنا ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق ، لكن قلت : إنّما تحلّ للمضطر كما تحلّ الميتة له . وروي : أنّه رجع ، وقال بتحريمها . روى عطاء الخراساني عن ابن عباس : أنّها صارت منسوخة ، بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ .
وروى سالم بن عبد اللّه بن عمر : أنّ عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - صعد المنبر ، فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثمّ قال : ما بال أقوام ينكحون هذه المتعة ، وقد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنها ؟ لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته بالحجارة . وقال : هدم المتعة النكاح ، والطلاق ، والعدّة ، والميراث . وهذا ما اتفق المسلمون عليه جيلا بعد جيل ، وقبيلا بعد قبيل ، وآخر من تكلّم بحلّها من المسلمين المأمون الخليفة العباسي ، وهو ما يلي : فقد روي : أنّه أباحها للمجاهدين ، وهم بعيدون عن أهليهم ، فدخل عليه العالم الجليل يحيى بن أكثم - رحمه اللّه تعالى - وهو يرتعد غضبا ، فقال المأمون : ما للإمام يشتاط غضبا ؟ فقال الإمام العظيم : كيف لا وقد انتهكت حرمات اللّه ، وأحلّ ما حرّم اللّه ، ورسوله ؟ ! قال المأمون : ومن فعل ذلك ؟ فقال : أمير المؤمنين فعل ذلك . قال : وكيف كان ذلك ؟ ! قال : ألم تحل المتعة ؛ وقد حرّمها اللّه ، ورسوله إلى يوم القيامة ؟ قال : أليست تحلّ بعقد شرعيّ ، ومهر ، ورضا ،