تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وقال الفرزدق في هجاء جرير ، ووعيده ، وتهديده له : [ الكامل ]
ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزل
أَيْنَ ما ثُقِفُوا :
أينما وجدوا . قال تعالى في سورة ( البقرة ) :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ .
هذا ؛ والثّقف في الأصل : الحذق في إدراك الشيء علما كان ، أو عملا ، فهو يتضمّن معنى الغلبة ، يقال : ثقف ، يثقف ثقفا ، ويقال : رجل ثقف لقف ، أي : خفيف حاذق : إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور . قال الشاعر : [ الوافر ]
فإمّا تثقفوني فاقتلوني * فمن أثقف فليس إلى خلود
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ
أي : إلا بعهد من اللّه ، وهو أن يسلموا ، فتزول عنهم الذلّة .
وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ
بعهد من الناس أي : المؤمنين ببذل الجزيرة ، والمعنى : ضربت عليهم الذلّة في عامّة الأحوال ، إلا في حال اعتصامهم بحبل اللّه ، وحبل من النّاس ، وهو ذمّة اللّه ، وعهده ، وذمّة المسلمين ، وعهدهم ، لا عزّ لهم إلا بهذه الواحدة ، وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوه من بذل الجزية ، ولذا قدّر القرطبي : إلا أن يعتصموا بحبل ، وإنّما سمي العهد حبلا ؛ لأنه يوصل إلى الأمن ، وزوال الخوف . وانظر الاستعارة في الآية رقم [ 103 ] .
وَباؤُ بِغَضَبٍ
أي : انقلبوا ، ورجعوا بغضب من اللّه ؛ أي : لزمهم ذلك . وصاروا أحقاء به ، ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الاستغفار : « أبوء لك بنعمتك عليّ ، وأبوء بذنبي » أي : أعترف بنعمتك عليّ ، وأرجع بذنبي إليك ؛ لتغفره لي . وقال تعالى في سورة ( المائدة ) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
وأصله في اللغة : الرجوع ، ومثله : آب بتقديم الهمزة على الباء ، قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته رقم [ 77 ] [ الوافر ]
فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا * وأبنا بالملوك مصفّدينا
أي : رجعوا ، ورجعنا .
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
هذا ؛ والذلّة : الذلّ والصّغار ، والمسكنة : الفقر ، فلا يوجد يهوديّ ، وإن كان غنيّا خاليا من زيّ الفقر ، وخضوعه ، ومهانته ، ولقد أذلّهم اللّه كلّ حياتهم ، وفي جميع عصورهم ، ف ( بختنصر ) المجوسي أذلّهم ، وامتهنهم ، كما رأيت في أوّل سورة الإسراء ، ثمّ النصارى ساموهم سوء العذاب ، ولمّا جاء الإسلام ؛ طردهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة المنوّرة ، ثمّ طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم ، ثمّ لما فتح بيت المقدس في عهده ضرب عليهم الجزية ، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة ، ودولة بسبب تفرّق المسلمين ، وإهمالهم لتعاليم دينهم ، وتركهم لسنّة نبيّهم ، وتركهم الجهاد في سبيل اللّه ، وإقبالهم على الدّنيا ، وكأنّ اللّه نزع الذلّة ، والمسكنة من رقاب اليهود ، وألبسهما أعناق المسلمين بسبب ذلك . وخذ ما يلي : عن ثوبان - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يوشك أن تداعى عليكم الأمم ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها » فقال قائل : من قلّة نحن يومئذ ؟ قال : « بل أنتم يومئذ كثيرون ،