تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
من أوّل النهار ، ثم رفعه إلى السّماء ، وقال الأكثرون : المراد بالوفاة هاهنا : النّوم ، كقوله تعالى في سورة ( الأنعام ) رقم [ 60 ] :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
وقوله تعالى في سورة ( الزمر ) رقم [ 42 ] :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها .
وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقوم إذا قام من النوم : « الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا » . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - معنى متوفيك : مميتك . وهذا أضعف الأقوال ، ولعل النسبة إليه ليست صحيحة . والحقّ : أن اللّه تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ، ولا نوم ، كما قال الحسن ، وابن زيد ، وهو اختيار الطّبري ، وهو الصّحيح عن ابن عباس ، فترجع الوفاة إلى معنى القبض ، وهو فحوى ما حكى اللّه في قوله في آخر سورة ( المائدة ) :
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ .
وهناك قول بأن المعنى : موفيك أجرك غير منقوص .
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : من سوء أعمالهم . وخبث صحبتهم . بمعنى : مخرجك من بينهم ، ومنجّيك من كيدهم .
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
أي : يغلبونهم بالحجّة ، أو السيف في غالب الأمر ، والّذين اتبعوا عيسى هم النصارى ؛ الذين لم يغيّروا ، ولم يبدّلوا ، ويعتقدون : أنّه رسول اللّه ، لا ابنه ، ولكنّهم صاروا بعد ذلك شيعا ، وفرقا ثلاثة ، ثم صاروا اثنتين وسبعين فرقة . انظر ما ذكرته في الآية رقم [ 30 ] من سورة ( التوبة ) فإنّه جيد . والحمد للّه ! . هذا ؛ وإن الذين اتبعوا عيسى بالتوحيد ، وعدم الشرك هم المسلمون ، فهم أحقّ بعيسى - عليه السّلام - في الدّنيا ، والآخرة ، وإنّه إذا نزل في آخر الزّمان يكون واحدا من أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما أنّ المسلمين أحقّ بموسى - عليه السّلام - بدليل قول نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم لليهود حينما هاجر من مكّة المكرمة إلى المدينة ، ورآهم يصومون يوم عاشوراء ، فسألهم عن سبب صومه ، فقالوا : هذا يوم صالح نجّى اللّه فيه بني إسرائيل ، فصامه موسى شكرا للّه ، فنحن نصومه ، فقال لهم صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا أحق منكم بموسى » . فصامه ، وأمر بصيامه ، ولذا عزّ المسلمون لتمسّكهم بالتوحيد الذي هو دين محمّد ، ودين جميع الأنبياء ، والمرسلين ، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها ، وتحقّق لهم وعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة الخندق ، وهو تحقيق وعد اللّه لهم في الآية رقم [ 55 ] من سورة ( النور ) :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ . . .
إلخ ، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بعيسى حقّا سلبوا النّصارى بلاد مصر ، والشام . . . إلخ . قال البيضاوي : - رحمه اللّه تعالى - : وإلى الآن لم يسمع غلبة اليهود على أتباع عيسى ، ولم يتّفق لهم ملك ، ودولة . انتهى . أقول : ولكن في هذه الآية قد قام لهم ملك ، ودولة بمساعدة النّصارى أنفسهم ، وبسبب تخاذل المسلمين ، وتفرّقهم ، وهجرهم تعاليم دينهم ، وسنّة نبيهم ، وما قام لهم في هذه الأيام إنما هو دليل قاطع على رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حيث أخبر بأنه سيقوم لهم ملك