[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 52 ]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 )
الشرح :
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ
أي : عرف من اليهود
الْكُفْرَ
والخبث ، واللؤم .
والإحساس : الإدراك ببعض الحواس الخمس ، وهو الذوق ، والشم ، واللمس ، والسمع ، والبصر . وفيه استعارة ؛ إذ الكفر ليس بمحسوس ، وإنّما يعلم ، ويفطن به ، فإطلاق الحسن عليه من نوع الاستعارة .
قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
أي : مع اللّه ، والظاهر : أنه أراد : من أنصاري في الدّعوة إلى اللّه ، كما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في مواسم الحج : « من يؤويني ؛ حتّى أبلّغ رسالة ربّي ؟
فإنّ قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي » . وهذه سنّة اللّه في أنبيائه ، وأوليائه ، وقد حكى اللّه عن لوط قوله في سورة ( هود ) :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ .
قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ . . .
إلخ : جمع : حواري ، وهم أصفياء عيسى ، عليه السّلام ، وكانوا اثني عشر رجلا ، واختلف في تسميتهم بذلك ، فقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : سمّوا بذلك لبياض ثيابهم ، وكانوا صيادين . وقيل : كانوا قصارين . وقيل : كانوا ملوكا يلبسون الثياب البيض . والحواري : الناصر ، فعن جابر - رضي اللّه عنه - قال : ندب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس يوم الخندق ، فانتدب الزبير - رضي اللّه عنه - ، ثم ندبهم : فانتدب الزبير ، فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ لكلّ نبيّ حواريّا وحواريي الزّبير » . متفق عليه ، والحواريات : النساء الحضريات لخلوص ألوانهن ، وبياضهن ، ونظافتهن . قال الشاعر : [ الطويل ]
فقل للحواريّات يبكين غيرنا * ولا تبكنا إلّا الكلاب النّوابح
فهو يعني : أنه ليس من عرف بالحضر ، والتنعم بالحياة ، بل هو من أهل البدو ، والمحاربة ، ولا يبكى عليه إلا الكلاب ؛ اللاتي تساق معه في البدو ، والصيد .
وَاشْهَدْ :
الخطاب لعيسى عليه السّلام ؛ أي : اشهد لنا عند ربك يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم ، أو عليهم .
مُسْلِمُونَ :
منقادون ، طائعون . والإسلام : الاستسلام ، والانقياد لأوامر اللّه .
أَنْصارُ اللَّهِ :
أنصار دينه . هذا ؛ والآية الكريمة تبيّن : أن الإسلام ، والإيمان شيء واحد ، ولكن قد يختلفان ، كما في آخر سورة ( الحجرات ) .
هذا ؛ وقال عبد الوهاب النجار - رحمه اللّه تعالى - :
الْحَوارِيُّونَ
هم أصحاب المسيح عيسى بن مريم - صلوات اللّه ، وسلامه عليه - وخاصته ؛ الذين اختارهم ؛ ليكونوا تلاميذه ، وبادروا إلى الإيمان به ، وتتلمذوا له ، وتعلّموا منه ، وكانوا اثني عشر رجلا . وهذا اللفظ لم أعرفه عبرانيّا ، وأما عربيّا فقد قال صاحب القاموس ، وقد جاء إطلاق حواري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم