تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 693

مساهمون:

ص٦٩٣
عوف ، وكثير من الأنصار كانوا على جانب عظيم من الثّراء . فكيف رضي المسلمون بهذا الرّهن ، ولا سيّما بعد أن تفوه اليهوديّ بما تفوّه به ، لا أجد تفسيرا لذلك ؛ إلا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أراد أن يضرب مثلا لحلّ معاملة أهل الكتاب بالبيع ، والشّراء ، والرّهن ، وغير ذلك من أنواع المعاملات . واللّه أعلم . هذا ؛ والرهن : احتباس العين وثيقة بالحقّ ، ليستوفى الحقّ من ثمنها ، أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم . وهو في اللّغة بمعنى الدّوام ، والثبوت ، والاستمرار . هذا ؛ وبما أن الرّهن وثيقة لوفاء الدّين ، لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون ، فقد أخرج الدّارقطني عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يغلق الرّهن ، ولصاحبه غنمه وعليه غرمه » ، المعنى : لصاحبه منفعته ، وعليه نفقته ، ومصروفه . قال ابن عبد البر : وقد أجمعوا : أنّ لبن الرهن ، وظهره للرّاهن . هذا وغلق الرّهن في يد مرتهنه : إذا لم يفتكّ . قال الشاعر : [ الطويل ]
أجارتنا من يجتمع يتفرّق * ومن يك رهنا للحوادث يغلق
وقال زهير بن أبي سلمى : [ البسيط ]
وفارقتك برهن لا فكاك له * يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
أي : فإن كان الّذي عليه الحقّ أمينا عند صاحب الحقّ ، ولم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به .
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
المعنى : فليؤد المدين الّذي عليه الحقّ ، والذي كان أيضا في ظنّ الدّائن ، الذي هو صاحب الحقّ أمينا ،
أَمانَتَهُ
أي : حقّه ، وسمى الدّين : أمانة - وإن كان مضمونا - لائتمانه عليه ؛ حيث أمن من جحوده ، فلم يكتب ، ولم يشهد عليه ، ولم يأخذ منه رهنا ، وهذا حثّ للمدين على أن يكون عند حسن ظنّ الدائن الذي ائتمنه ، وأن يؤدي إليه حقّه ، الذي ائتمنه عليه .
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
أي : المدين في أداء الحقّ عند حلول الأجل من غير مماطلة ، ولا جحود ، بل يعامله معاملة حسنة ، كما أحسن ظنّه فيه ، وخذ ما يلي : فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أخذ أموال النّاس ، يريد أداءها ؛ أدّى اللّه عنه ، ومن أخذ أموال النّاس يريد إتلافها ؛ أتلفه اللّه » . رواه البخاريّ ، وغيره . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني بالشّهداء أشهدهم ، فقال : كفى باللّه شهيدا ! . قال : فائتني بالكفيل ، قال : كفى باللّه وكيلا ! قال : صدقت ، فدفعها إليه إلى أجل مسمّى ، فخرج في البحر ، فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجّله ، فلم يجد