كفاية ، وهو قول الشّعبي ، فإن لم يوجد إلا واحد ، وجب عليه ذلك ، وقيل : هو على النّدب ، والاستحباب ، وذلك ؛ لأن اللّه تعالى لمّا علمه الكتابة ، وشرّفه بها ، استحبّ له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم ، ويشكر تلك النعمة التي أنعم اللّه بها عليه ، وهو المعتمد ، ودليل ذلك : أنه يجوز له أن يتقاضى أجرا على كتابته ، ولو كانت واجبة ؛ لا يجوز له أخذ الأجرة عليها .
هذا ؛ و
يَأْبَ :
من الإباء ، وهو الامتناع ، أو أشدّه ، وإباء اللّه : قضاؤه ألا يكون الأمر ، أو عدم قضائه أن يكون ، قال تعالى في سورة ( التّوبة ) رقم [ 32 ] :
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
. ويكون متعدّيا إن كان بمعنى : كره ، ولازما إن كان بمعنى : امتنع ، وهذا الفعل يتضمّن النفي ، والإيجاب ؛ لأنه بمعنى : لا يقبل إلا . . . إلخ . هذا ؛ وأبى ، يأبى من الباب الثالث شاذّ ؛ لأنه لم يكن عينه أو لامه حرفا من حروف الحلق ، ولم يجئ منه إلا قلى ، يقلى ، وغسى ، يغسى ، وجبى ، يجبى ، وعسى ، يعسى .
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
أي : يلقي الذي عليه الحق ، ويقرّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من الحقّ ، فيذكر قدره ، وجنسه ، وصفة الأجل ، ونحو ذلك . والإملال ، والإملاء : لغتان فصيحتان معناهما واحد ، تقول : أمللت ، وأمليت . وجاء القرآن باللّغتين .
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
أي : وليخف ربّه في إملائه على الكاتب .
وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً
أي : ولا ينقص من الحقّ الذي عليه شيئا في الإملاء ، فيكون جحودا لبعض حقّه .
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً
أي : جاهلا بالإملاء ، وقيل : هو الطفل الصغير . وقال الشافعي رحمه اللّه تعالى : السفيه : هو المبذر ، المفسد لماله ، ودينه . هذا ، والسّفه : سخافة العقل . ومن ركب متن الباطل كان سفيها ، فكل هذه المعاني يجوز إطلاقها على السّفه ، والسّفيه . وانظر ( سفه ) في الآية رقم [ 130 ] .
أَوْ ضَعِيفاً :
صبيّا ، أو شيخا عاجزا . هذا ؛ والبذيء اللسان يسمى : سفيها ؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهّال الناس ، وأصحاب ، العقول الخفيفة ، والعرب تطلق السّفه على ضعف العقل تارة ، وعلى ضعف البدن أخرى ، قال الشاعر : [ السريع ]
نخاف أن تسفه أحلامنا * ويجهل الدّهر مع الحالم
وقال ذو الرّمّة : [ الطويل ]
مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت * أعاليها مرّ الرّياح النّواسم
أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ
أي : لا يقدر على الإملاء لخرس ، أو جهل باللغة ، أو لعيّه ، أو جهله بأداء الكلام ، أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب ، أو يجهل بما له ، أو عليه ، فهؤلاء كلّهم لا يصحّ إقرارهم وإملاؤهم ، فلا بدّ من أن يقوم غيرهم مقامهم ، وهو قوله تعالى :
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ
أي : ولي كلّ واحد من هؤلاء المحجور عليهم ؛ لأنّه يقوم مقامه في صحة الإقرار ،