تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا :
اختلفوا في هذا السّر المنهي عنه ، فقيل : هو الزّنى ؛ كان الرجل يدخل على المرأة يعرّض بالنّكاح ، ومراده الزّنى ، ويقول لها : عديني ، فإذا انقضت عدّتك ؛ أظهرت نكاحك . ومنه قول الأعشى من قصيدته الّتي مدح بها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : [ الطويل ]
فلا تقربنّ جارة إنّ سرّها * عليك حرام فانكحن أو تأبّدا
وقال الحطيئة : [ الوافر ]
ويحرم سرّ جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع
وقيل : السرّ : الجماع ؛ أي : لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النّكاح ، فإنّ ذكر الجماع مع غير الزّوجة فحش . وهذا قول الشّافعي ، رضي اللّه عنه . وقال امرؤ القيس : [ الطويل ]
ألا زعمت بسباسة اليوم أنّني * كبرت وألّا يحسن السّرّ أمثالي
إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً :
هو ما ذكر من التعريض بالخطبة من غير تصريح بذلك ، و
إِلَّا
متعلّق .
لا تُواعِدُوهُنَّ
أي : لا تواعدوهن مواعدة قطّ إلا مواعدة معروفة غير منكرة .
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ
أي : لا تعقدوا عقد النكاح على معتدة الوفاة ، أو غيرها حتّى تنتهي عدّتها المفروضة عليها . وعزم على الشيء : قرر ، وصمّم على فعله ، وذكر العزم للمبالغة في النّهي عن مباشرة النكاح ، فإذا نهى عنه ؛ كان النهي عن الفعل من باب أولى . هذا ؛ وسمّى اللّه العدّة ، وانتهاءها : كتابا ؛ لأنها فرضت به ، وهو كقوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
و
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ
.
وَاعْلَمُوا . . .
إلخ ؛ أي : اعتقدوا ، وأيقنوا : أنّ اللّه يعلم ما تخفون في أنفسكم ، وما تظهرون من أقوالكم ، وأعمالكم ،
فَاحْذَرُوهُ :
خافوا حسابه ، وعقابه ، ففيه تهديد ، ووعيد لمن يخالف الشّرع الشّريف في هذه الأحكام ، أو بعضها .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ :
لا يعجل بالعقوبة على من عصاه ، بل يستر عليه . هذا ؛ واختلفوا فيمن تزوّج امرأة في عدّتها ، فدخل بها ، فإنه يفرّق بينهما ، ويجب عليها عدّتان : إتمام عدة الأول ، واستئناف عدّة الثاني ، وهل تحرم عليه أبدا ؟ قولان : الجمهور على أنّها لا تحرم عليه ، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها . وذهب الإمام مالك - رحمه اللّه تعالى - إلى أنّها تحرم عليه على التأبيد ، ومأخذ هذا أنّ الزّوج لما استعجل ما أجّل اللّه ؛ عوقب بنقيض قصده ، فحرمت عليه على التأبيد . كالقاتل لمورثه يحرم من الميراث . ومن طلب شيئا قبل أوانه ؛ عوقب بحرمانه . تنبيه : عدّة الوفاة عدّة تفجّع مهما كان عمر المرأة ، وأمّا عدّة الطلاق ؛ فالغالب : أنها لبراءة الرّحم من الحمل ، وقد تكون تعبّديّا ، كطلاق الآيسة ، والصّغيرة ؛ التّي لم تحض . واللّه أعلم بمراده ، وأسراره .