تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
صبا ودبور والجنوب وشمأل * بشرق وغرب والتيمّن والضّدّ
ومن بينها النّكباء أزيب جربيا * وصابية والهيف خاتمة العدّ
هذا ؛ وأضيف : أنّ ريح الصّبا نصر اللّه بها نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة الخندق ، حيث فعلت بقريش العجائب ، فارتدّوا على أعقابهم خاسئين ، كما تراه في سورة ( الأحزاب ) ، وأن ريح الدّبور أهلك بها قوم عاد ، ونبيّهم هو هود - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - كما تراه في سورة ( الأعراف ) وسورة ( الشعراء ) وغيرهما . هذا ؛ ولا تنس : أنّ الريح تفسر بالدّولة ، والقوّة ، قال تعالى :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
أي : دولتكم ، وقوتكم ، شبّهت في نفوذ أمرها ، وتمشّيه بالرّيح ، وهبوبها ، يقال : هبت رياح بني فلان : إذا دالت لهم الدولة ، ونفذ أمرهم ، وتقول : الريح لفلان : إذا كان غالبا في الأمر ، قال الشاعر : [ الوافر ]
إذا هبّت رياحك فاغتنمها * فإنّ لكلّ خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها * فما تدري السّكون متى يكون
فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يقول : « الرّيح من روح اللّه تعالى ، تأتي بالرّحمة ، وتأتي بالعذاب ، فإذا رأيتموها ؛ فلا تسبّوها ، واسألوا اللّه من خيرها ، واستعيذوا باللّه من شرّها » . رواه الشّافعيّ في مسنده بطوله ، وأخرجه أبو داود في المسند عنه . وروي : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا اشتدت الريح ، وهبّت يقول : « اللّهمّ اجعلها رياحا ، ولا تجعلها ريحا » . ويقول : « اللّهمّ إنّي أسألك خيرها ، وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرّها ، وشرّ ما أرسلت به » . هذا ؛ ومن وحّد الريح ؛ فلأنه اسم جنس يدل على القليل ، والكثير ، ومن جمع ، فلاختلاف الجهات التي تهبّ فيها الرّياح ، ومن جمع مع الرحمة ، ووحد مع العذاب ، فإنّه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن : نحو قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ
سورة ( الروم ) رقم [ 46 ] وقوله تعالى :
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
سورة ( الذاريات ) فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة ، مفردة مع العذاب إلا في سورة ( يونس ) رقم [ 22 ] قوله تعالى :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
وذلك لأنّ ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد ، وريح الرحمة لينة متقطعة ، فلذلك هي رياح ، وأفردت مع الفلك في سورة ( يونس ) لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متّصلة ، ثم وصفت بالطيب ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب .
وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ :
المذلل بأمر اللّه تعالى يسير حيث شاء بواسطة الرياح ، وسمي الغيم سحابا ؛ لانسحابه في الهواء ، قال تعالى :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ