تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
شيء لم يحرّم ، فحرّم من أجل مسألته » . وثبت في الصّحيحين من حديث المغيرة بن شعبة : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان ينهى عن قيل ، وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال . وفي صحيح مسلم : « ذروني ما تركتكم : فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بأمر ؛ فائتوا منه ما استطعتم ، وإن نهيتكم عن شيء ؛ فاجتنبوه » . وهذا إنّما قاله بعدما أخبرهم : أنّ اللّه كتب عليهم الحجّ ، فقال رجل : أكلّ عام يا رسول اللّه ؟ فسكت عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثا ، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ، ولو قلت : نعم ؛ لوجبت ؛ ولو وجبت ؛ لما استطعتم » . ثمّ قال : « ذروني ما تركتكم » . ولهذا قال أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - : نهينا أن نسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيء ، فكان يعجبنا أن يأتي الرّجل من أهل البادية ، فيسأله ؛ ونحن نسمع . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة ، كلّها في القرآن :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
و
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ
و
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى
يعني : هذا وأشباهه ، رواه البزّار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، رضي اللّه عنهما . هذا ؛ ويفيد : أنّ الخطاب للمؤمنين ، ويؤيده قوله تعالى :
كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ
أي : فقد سأل بنو إسرائيل موسى أسئلة كثيرة كلّها تعنّت ، وعناد ، مثل قولهم :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ،
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ . . .
إلخ وغير ذلك كثير . وقيل : السائل اليهود ، فعن ابن عباس ؛ قال : قال رافع بن حرملة ، ووهب بن زيد : يا محمد ! ائتنا بكتاب تنزله علينا نقرؤه ، وفجر لنا أنهارا نتبعك ، ونصدقك . ويكون قوله :
رَسُولَكُمْ
مأخوذ من عموم بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم للخلق أجمعين ، واليهود داخلون في هذا العموم بلا ريب ، ولا شك ، فصحّ توجيه الخطاب إليهم بهذا العموم ، وأيضا سياق الكلام سابقا ، ولاحقا في شأن اليهود . وقال النّسفي : روي : أن قريشا قالوا : يا محمد ! اجعل لنا الصّفا ذهبا ، ووسّع لنا أرض مكة ، فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات ، كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً
وهذا لا وجه له ؛ لأنّ سورة البقرة مدنيّة بالإجماع ، وسؤال قريش هذه الأسئلة مذكور في سورة الإسراء ، وغيرها من السّور المكيّة .
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ
أي : ومن يشتر الكفر بالإيمان ، ويرضى بذلك .
فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
أي : فقد أخطأ الطّريق المستقيم إلى الجهل ، والضلال ، و
سَواءَ السَّبِيلِ :
وسطه ، وانظر معانيه الكثيرة فيما تقدم ، هذا ؛ و
السَّبِيلِ :
الطريق ، يذكر ، ويؤنث ، بلفظ واحد ، فمن التذكير قوله تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
ومن التأنيث قوله تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ
والجمع على التأنيث : سبول ، وعلى التذكير : سبل بضمتين ، و : سبل بضم فسكون . هذا ؛ بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [ 26 ] .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 284 | الشيخ محمد علي طه الدرة