ولهذا أنكرت الآية على النصارى قولهم إن اللّه اتخذ ولدا ، وكيف يتخذ اللّه ولدا وليس في الوجود سواه ، والصوفيون عامة بينوا أنه ليس في الوجود إلا اللّه ، ولهذا كان المسيح مرآة عكست أنوار الحق ، فكيف تكون المرآة الحق ، وكيف يلد الحق مرآة ؟
وقضية تعدد الآلهة تشمل حتى صور العالم الظاهري ، وقد تحدثنا عنها مرارا من قبل ، فإثبات وجود مشيئة غير مشيئة اللّه ، وإرادة غير إرادته ، واختيار سوى اختياره يعني إثبات مجموعة مشيئات وإرادات واختيارات وهذا مستحيل حتى على الصعيد الإنساني ، لأن الإنسان حيوان ناطق أولا ، ولأنه مخلوق على صورة الرحمن ثانيا ، فهو صورة للمشيئة الإلهية والإرادة والاختيار الإلهي ، وأي خروج على خط هذا التوحيد يعد شركا إن لم يكن كفرا ، ولهذا قال الشيخ أرسلان الدمشقي : كلك شرك خفي ، فتمام التوحيد الانخلاع عن الحول ، والطول والاسم والصفة والذات .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 96 ]
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ( 96 )
[ المؤمنون : 96 ]
لما كان النبي ممثل الإنسان الكامل وفرد هذا الإنسان كان جامعا لمكارم الأخلاق أولا وجامعا لعلوم الإنسان الكامل الذي هو الدائرة الإلهية الأسمائية ، ولما كانت الأسماء متقابلات ومتضادات ولا خروج عليها كان النبي متصفا بالأخلاق التي تحوي هذه الأسماء والعلم بها . . . ولهذا اتصف النبي بالعفو والحلم عن مقدرة والصفح الجميل والصبر الجميل ، فالنبي مدرك أن الأفعال كلها للّه ، فلا ينبغي أخذ شيء بشيء إلا ما أمر اللّه به من إقامة لحدود وضعت لضمان استمرار الحياة الإنسانية والحفاظ على هذه الحياة .
وقوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ
له مرام بعيدة ، منها أن كثيرا من الناس هم من أصحاب النفس اللوامة ، المتصفة بالتقلب والتلوم أي اللوم فهم أصحاب قلوب متقلبة بين الخير والشر ، وهؤلاء إن دفعت سيئاتهم بالتي هي أحسن ساعدتهم على الصحو والنهوض من النوم والصعود من هوة أسفل سافلين ، وكم من مسيء يفعل فيه العفو والحلم فعل المعجزة ، فإذا هو يرتد عما هو فيه ويأخذ في السير على طريق الهدى والسّلام .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 97 إلى 98 ]
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ( 97 ) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ( 98 )
[ المؤمنون : 97 ، 98 ]
لا ملجأ إلا إلى اللّه ولا استغاثة إلا إياه من همزات الشياطين ، لأن الشيطان قرين ، والقرين لا يفارق الإنسان ولهذا سمي قرينا ، وما دام الإنسان لا يرى قرينه لأنه خفي فهو يجهل بالتالي وجوده وحقيقته والدور الذي يلعبه في قلبه ألا وهو مشاركته التفكير ، فالفكر ميدان للقرين