تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
لا ينبغي أن يكون العطاء منة ، لأن صفة العطاء وداعيته هما أصلا للّه ، واللّه سبحانه القائل في موضع آخر :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
[ الحشر : 9 ] ، فالوقاية من الشح هي للّه وما للعبد إلا الكسب . والحقيقة أن كل الصفات الجمالية التي يتصف بها العبد هي من عين المنة ، أي من صاحب المنة الحقيقي وهو اللّه ، والمحسنون مدركون هذه الحقيقة ، ولهذا يأتون ما يأتون من أعمال حسنة وهم خائفون ألا تقبل منهم ، والآية تشير إلى داء العجب الذي هو سرطان يأتي على معظم الأعمال الصالحة التي يأتيها المصابون بهذا المرض . . . واللّه لا يقبل إلا العمل الصالح خالصا لوجهه ، أي بتذكر من له المنة والداعية والفعل ، وأن ليس للعبد إلا الوسيلة والمحل .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 62 ]

وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 62 ) [ المؤمنون : 62 ] وسع النفس عينها ، وعينها صفتها ، وصفتها ما وسمت أزلا من سعادة أو شقاوة ، وهذه الحقيقة الوجودية العلمية هي التي تظهر قوله تعالى في الحديث القدسي : ( ورحمتي سبقت غضبي ) ، وعلى هذه القاعدة رفعت الصوفية قواعدهم من الرحمة العامة باعتبار أن اللّه رحمن رحيم ، وأن رحمته شاملة ، والسبب كما ذكرنا علمي ، إذ لا يعقل أن يسم سبحانه نفسا بالشقاوة ثم يطالبها بغير ما وسمت . والكتاب الناطق بالحق سجل النفس الكلية المسمى اللوح المحفوظ حيث تسجل فيه النفوس الجزئية وأسماؤها وصفاتها ، فلا تكلف نفس إلا صفتها ، ولهذا ختمت بالقول :
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
.

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 63 ]

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) [ المؤمنون : 63 ] الغمرة الجهل ، وكل إنسان يأتي عملا يحسبه له خيرا كان أم شرا ، وللّه الأمر من قبل ومن خلال ومن بعد ، لا إله إلا هو .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 64 إلى 66 ]

حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) [ المؤمنون : 64 ، 66 ] العذاب الحجاب ، وكل من لم يتعرف ربه هو محجوب ، ولهذا وصف المعذبون بأنهم يجأرون أي يضجون ، والسبب الحجاب نفسه ، ولو كشف لهؤلاء حجابهم لرأوا الحقيقة في عين اليقين ، فاستراحوا وصاروا إلى جنة النعيم .