تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 28 ]

لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 ) [ آل عمران : 28 ] الخطاب موجه إلى تعينات شطر الأسماء المزدوجة كالضار النافع ، والرافع الخافض ، وعلى صاحب الاسم دفع الشطر الثاني من الاسم لأن من التضاد إظهارا للقيمة والمعنى ، فبوجود الضر تبرز قيمة النفع ، وفي عالم الطبيعة يتحقق التوازن البيئي عن طريق الصراع ، وكذلك في مجال الحياة الإنسانية ، فلا بد من دفع الناس بعضهم بعضا إظهارا للقيم وإبرازا للمعقولات . وثمت لطيفة في قوله سبحانه :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ،
إذ أنه سبحانه بعد أن تحدث عن الإيمان والكفر ، أورد ذكر نفسه ، لأن نفسه التي هي مشع الأنوار ومسقطها جامعة للضدين ، وهذه حقيقة فصلت الصوفية القول فيها ، وكان من أبرز من تحدث عنها العارف باللّه المحقق عبد الكريم الجيلي في كتابه « الإنسان الكامل » حيث أبان كيف تكون النفس الإلهية ، التي هي الإنسان الكامل ، جامعة لكل ما يظهر على مسرح الوجود . وأول السلوك المجاهدة ، وآخرة التحذير من النفس الإلهية ، وهذا وارد في مجال المجاهدة أيضا ، فعند بدء الجهاد تكون النفس صاحبة أنية ، أي أن لصاحبها المجاهد وجودا ، ووجوده قوله أنا وأنا . . . ومن دون هذا الوجود الجزئي لا يمكن تحقق الجهاد الذي هو دفع للجزئيات سواء على صعيد الإنسان أو على صعيد الحيوان ، وعند الوصول إلى أفق النفس الإلهية لا بد من اتخاذ الحذر ، إذ أن على المجاهد أن يضحي بنفسه الجزئية في سبيل خلود النفس الكلية كما ضرب لهذا مثل هو تضحية إبراهيم بولده ، وافتدى بكبش أي بالنفس الحيوانية أو الروح الحيواني ، والذي هو سر النفس الجزئية ، وعندما يقبل السالك المجاهد التضحية بنفسه ، أي يقدمها إلى اللّه صاحبها ، يرد اللّه عليه وجوده بعد أن يكون قد أقر بأن ما هو له هو للّه ، وأن وجوده الجزئي هو وجود إلهي هو عليه ضيف ، ويكون العوض روح القدس الذي يتخلل النفس الجزئية فيبلغ المجاهد مرتبة الأولياء الكاملين .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 29 ]

قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) [ آل عمران : 29 ] أشار اللّه سبحانه إلى الصدور لا إلى الرؤوس أو الأيدي ، لأن الحقيقة هي في الصدر ، والصدر من الصدور ، والأصل إشعاع الأسماء أو الصفات عن شمس الذات ، وهو إشعاع