تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
إن لسان النبوة لا ينطق عن الهوى ، وهو وحي يوحى ، ولهذا سأل موسى ربه أن يحلل عقدة من لسانه ليفقه قومه قوله ، واللّه سبحانه آتى نبيه البيان والفصاحة وجوامع الكلم ليصيب المفصل ، ويكون ما يقوله وحيا صادرا عن القلب ، وما صدر عن القلب يقع في القلب كما يقول المثل .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 29 إلى 32 ]

وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 ) [ طه : 29 ، 32 ] هارون إشارة إلى علم الحقيقة الذي يلي علم الشريعة وقلنا في موضع سابق : إن الحقيقة متممة للشريعة ، وإنها كمالها وهي البداية إلى الغيب والمدخل ، وكان موسى قد لقي العبد الصالح الذي أوتي العلم اللدني عند مجمع البحرين فعلمه هذا العلم ، فهارون هو مقام العبد الصالح ، وكونه أخا موسى له نكتة ، ذلك أن الأخ من الأب والأم هو الشقيق ، والشقيق من اشتق ، وما يشتق من القلب هو الروح ، والروح هو الموحي المعلم ، وفي عالم التوحيد لا تثبت قدم الموحد ما لم يشد الروح الأمين أزره من باطنه .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 33 ]

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ( 33 ) [ طه : 33 ] التسبيج التنزيه ، وهو نتيجة للتوحيد كما سئل البسطامي عن اسم اللّه الأعظم فقال : دلوني على الأصغر لأقول لكم أين الأعظم ، فكل ما في الوجود دال على اسم اللّه الأعظم ، وتبوأ الإنسان مكانة الخلافة لأنه يمثل هذا الاسم العظيم ، وتمام التمثيل التنزيه حيث لا يكون ثمة موجود إلا اللّه .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 34 ]

وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ( 34 ) [ طه : 34 ] الذكر الإلهي هو نتيجة للتنزيه ، فالعارف العارج يظل يعرج في سماوات المعقولات حتى لا يعود يرى إلا اللّه كما قال الصديق رضي اللّه عنه : ( ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ) ، وعندما لا يعود المكاشف يرى إلا اللّه فإنه لا يذكر إلا اللّه وهذا هو الذكر الحق . وقال الشبلي : لا أستريح حتى لا أرى ذاكرا على وجه الأرض ، ومراد الشبلي أنه ما دام الذاكر يرى نفسه ومن حوله فهو لم يتحقق من حقيقة الذكر الكامل ، إذ يقتضي هذا الضرب الرفيع من الذكر أن يغيب الذاكر ولا يبقى إلا المذكور ، ولهذا مد الشبلي عينيه إلى أن يرى الناس جميعا موحدين ، رأوا اللّه ظاهرا في المظاهر ، فغابت المظاهر ولم يبق إلا الظاهر ، ولم يعد ثمة من ذاكر على الحقيقة إلا اللّه . . . وهذا حال عجيب تعيشه الذات التي شقت منها النفس وأهبطها إلى العالم الحسي ، وجعلت فيها خزائن المعقولات مغلقة ، أو كما يقال في