تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
اسمه الظاهر . . . لهذا خاطب الحق عبده قائلا :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا . . .
أي كف يا عبدي عن النظر إلى هذا العالم وما فيه من صور وأصوات وتوجه إلي ، وحيثما نظرت تجدني لأنني أنا حقيقة الصور وحقيقة هذا الوجود الذي تراه ، وتابعت الآية تقول :
فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ،
أي تحول يا عبدي من العالم إلي مع بقائك الجسمي في العالم ، وهذه هي حقيقة الصلاة التي هي صلة ، وفي الحديث : ( المصلون كثير والمقيمون قليل ) .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 15 ]

إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ( 15 ) [ طه : 15 ] الساعة ميقات انكشاف الحقيقة ، ولهذا قال عليه السّلام : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ، وضم السبابة والوسطى ، وذلك لأنه عليه السّلام رأى النار التي رأى موسى ، وخوطب من ذاته الباطنة كما خوطب موسى ، وقامت قيامته الصغرى ، وهذه القيامة هي الساعة أي الوقت المحدد للكشف . وقوله سبحانه :
أَكادُ أُخْفِيها ،
يعني قرب الساعة ، ولهذا ضم صلّى اللّه عليه وسلّم السبابة والوسطى ، فالساعة بالمرصاد ، وهي مثل ربها أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 16 ]

فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ( 16 ) [ طه : 16 ] كثيرون رأوا الإشارة التي هي النار وما أتوها ، أو أتوها فما اتبعوا هداها ، أو اتبعوا هداها ولكنهم لم يتابعوا سلوك طريق الهدى وارتدوا ، فالقول ثقيل ، والإنسان مدعو إلى طرح ما تزمل وما تدثر من صفات وأهواء ، وعليه أن يلبي دعوة ربه ، والوادي عظيم وعميق ، وهو بحاجة إلى رجال غواصين على الحقائق يفدونها بأنفسهم وأموالهم ، كما قال سبحانه في موضع آخر :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
[ التّوبة : 111 ] .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 17 إلى 23 ]

وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ( 18 ) قالَ أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ( 20 ) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ( 21 ) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ( 22 ) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) [ طه : 17 ، 23 ] قلنا في العصا من قبل ما قلنا ، والملاحظ أن السؤال :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ،
وقلنا في يمين اللّه من قبل : إنها اليمين النورانية أو اليد النورانية ، وربطنا بين عصا موسى ويمين اللّه هذه ، فالعملية اطلاع المراد كشفا على أن قواه قوى اللّه من سمع وبصر وكلام وفكر ، وأنه ليس إلا آلة للّه ، فبين المكاشف والإنسان العادي سر هو الذي قال فيه التستري : إن للربوبية سرا لو علم لبطل العلم ، وإن للعلم سرا لو علم لبطل العمل ، فثمة عملية تبادل تجري بين