تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 15 ]

وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) [ مريم : 15 ] الولادة ولادة النفس الجزئية من النفس الكلية وسكناها الجسد ، والموت موت هذه النفس المعنوي وذلك بكشف الغطاء عن حقيقتها وذلك كما قال هيغل : تحول العقل إلى روح تعي نفسها أنها روح ، والروح يجب أن تكشف أنها ليست أنا فقط وإنما هي نحن أيضا ، والبعث القيام من بين موتى الجهل ، فتصبح حياة الإنسان حقيقته ، أو كما قال عيسى عليه السّلام : ( لا يدخل ملكوت السماوات من لم يولد مرتين ) ، وقال أبو العباس المرسي : أنا واللّه ممن ولد مرتين ، الإيلاء الأول إيلاء الطبيعة ، والإيلاء الثاني إيلاء الروح في سماء المعارف .

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 16 إلى 17 ]

وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) [ مريم : 16 ، 17 ] قلنا : مريم إشارة إلى النفس الكلية الجامعة وقد مثلها الإنسان الكامل الذي صار صالحا لاستقبال الأنوار ، فلهذه النفس الكلية المسماة في الفلسفة النوع أفراد يمثلون هذا النوع كما يمثل النبي النبوة . والمكان الشرقي التوجه إلى جهة الروح وذلك بأن يدعى المراد إلى دخول الخلوة والاعتكاف ، والحجاب إسدال الستار بين النفس والناس من أجل تحقيق أهداف الخلوة ، وعلى هذا الأساس كونت الصوفية مذاهبهم وطرائقهم ، وعمرت مدارسهم بطلاب الحقيقة من المريدين والسالكين ، واشتهرت مدارسهم وطرائقهم كالطريقة الشاذلية والطريقة النقشبندية والطريقة الرفاعية والطريقة المولوية نسبة إلى جلال الدين الرومي . . . وكل هذه الطرائق تدعو الناس إلى الاعتكاف وإرخاء الستار بين النفس والعالم البراني لفتح مغاليق العالم الجواني ، والروح صوت الضمير وقد انتقل من فلك الأنا إلى فلك نحن فإذا هو صوت جماعي كلي يجعل المكاشف يتحقق بأن صوت الجزئي كلي ، ويعي قوله سبحانه :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
[ الشمس : 8 ، 7 ] . والتمثل في صورة بشر ظهور الروح من الأنا نفسها ، وعادة الإنسان أن يحاور نفسه ، ويقال في الأدب : فلان يفكر بصوت عال ، فهذا الحوار الذاتي شخصي ولكنه عند الكشف يصير جمعيا ولهذا وصف في الآية بأنه بشر ، والبشر صيغة مفرد تفيد معنى الجمع ، فالروح ظاهر بالبشر دون أن يدري البشر .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 18 ]

قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) [ مريم : 18 ] الصوت الذاتي الجامع يظهر بكشف سر التضاد ، وفهم سر التضاد هو المدخل إلى عالم
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 556 | محمد غازي عرابي